المستعمرون الجدد
من المرات النادرة وربما النادرة جدا ان تتيح الظروف لمسئول عسكري كتابة مذكراته، ومشاهداته اليومية حول عمله في دولة اجنبية بوصفه مستشارا عسكريا، ويتحرك تحت غطاء مترجم. هذا بالضبط ما حدث مع العقيد أوليك بافنكوف الذي عمل في ليبيا ضمن فريق المستشارين العسكريين الروس وعاش هناك لمدة خمس سنوات تقريبا في اواسط سبعينيات القرن الماضي. ومناقشة مذكراته التي جاءت تحت عنوان «يوميات مترجم عسكري» بعد هذه السنوات تطلعنا على اكثر من جانب لتصور الروس حول انفسهم كقوة عظمى، وللدور الذي يمكن ان يقدموه لحلفائهم، ولرؤيتهم للقوى المنافسة وطبيعة الادوار التي تضطلع بها. والاهم من ذلك رؤيتهم للمحيط الذي يعملون فيه ويقدمون له الخبرة والتجربة وكيف يقيسون ما يقدمونه للآخرين. من المهم والمفيد في نفس الوقت الوقوف عند حقيقة وجهة نظر القيادة الليبية في الجانب الروسي قبل بدء التعاون بين الجانبين حيث تؤكد المصادر أن العقيد القذافي كان ينظر بكثير من الريبة للروس، وربما هذا ينسجم ورؤية الرجل للاجانب بشكل عام خاصة القوى الباحثة عن الهيمنة والسيطرة، وهناك من يؤكد في هذا السياق ان نظرة الليبيين للروس لم تزد عن كونهم مستعمرين جددا!! المثير وبحسب الكتابات الروسية في هذا الميدان ما يمكن ان نسميه اليوم الانقلاب في وجهة النظر الليبية التي اصبحت تنظر للروس على انهم اصدقاء يعملون بجد واخلاص من اجل اصدقائهم الليبيين، هذا ما جعل القذافي ينظر للروس في وقت لاحق كشركاء عسكريين حقيقيين!! ورغم الصورة النمطية العامة وربما العالمية للقذافي والتي تحمل كثيرا من التناقضات فإن الروس يصفون الرجل خلال علاقتهم معه بأنه شخصية مهمة في منطقة الشرق الأوسط ومفكر عظيم ويعللون ذلك بأمور بسيطة وربما أولية مثل القول إنه تصدى للحكم في ليبيا وعدد السكان اقل من مليوني نسمة وغادر هذا العالم وعدد الليبيين حوالي سبعة ملايين نسمة!! أو ان الليبيين بعد مرور عشر سنوات على ثورة القذافي اصبح مستواهم المعيشي افضل من مستوى الروس انفسهم البلد القوى عسكريا والغني بكل الموارد والطاقات. الروس كانوا ينظرون إلى هذه المؤشرات كعلامات على الحكم الجيد. وفي الحقيقة فإنهم كانوا يودون الاشارة إلى مظاهر غير حقيقية في حياة الناس وبناء الدول والمجتمعات التي ساهموا في تحديثها ومساعدتها بهدف كسب كثير من الثقة والحصول على مزيد من الفوائد المتأتية من هذا التعاون، الروس يقولون بشكل علني ان الغرب والولايات المتحدة الامريكية بصورة خاصة هي من سعى لتشويه صورة القيادة الليبية، وهم من رسموا صورة سلبية دولية للقذافي، خاصة في عهد الرئيس رونالد ريجان الذي سخر اجهزة الاعلام الامريكية لاقناع العالم بأن القذافي غبي، ومجنون. ويذهب الروس في هذه المقاربة إلى ما هو أبعد من ذلك إلى أن هناك اشارات تضمنها خطاب الغرب حول القذافي تشير بوضوح إلى انه يجب التخلص منه. ويدللون على هذه الافكار المتناثرة بأن امريكا حاولت قتل القذافي بالفعل. في الجانب الآخر يصف الروس بصورة تثير الشفقة المصطنعة القذافي بأنه كان يبالغ في اظهار العداء للغرب، وأنه كان محرضا للناس في ليبيا وخارجها على عداوة أمريكا، ويرون أن ذلك كان عملا تنقصه الكياسة. باختصار الروس يرون ان القذافي لم يكن مجنونا كما يرى الغرب ولكنهم يرون انه لم يكن منضبطا كما ينبغي، بمعنى انه يمكن ان يقول أي شيء، ويمكن ان يفعل أي شيء ومن بعد يمكن ان يبحث عن تبرير لكل ذلك، ويذكر السيد بافنكوف ان القذافي في احدى المناسبات الرسمية والتي كان يحضرها دبلوماسيون روس ومستشارون عسكريون ايضا قال مخاطبا الشعب الليبي انظروا انا اشتريتهم لكم واشار بيده إلى الروس الذين كانوا في المنصة مع بقية الضيوف. من المؤكد ان مثل هذا الفعل لم يكن يسعد الروس سواء الدبلوماسيون أو العسكريون وطلبوا تفسيرا لفهم المقصود، من حديث الرجل. ومن الغريب انهم وبتوجيه من موسكو تفهموا انه كان يحاول ان يشرح للناس انه يعمل من اجلهم، وبعد ان كانوا كشعب ليبي يعمل من اجل المستعمر فإن الآخرين اليوم يعملون من اجلهم. أي ان هذا خطاب ضرورة داخلية لا اكثر، والروس اقنعوا انفسهم بمثل هذه التبريرات بالنظر إلى أمور تكاد تكون لصيقة بشخصية القذافي مثل ان مثل هذه التصرفات يمكن ان تصدر من الرجل نظرا للدماء الافريقية والبدوية التي كانت تجري في عروقه!! وباعترافاته المتكررة بأنه بدوي بسيط. الروس وسط الصراع الدولي على ليبيا يفاخرون بأنهم منذ ان بدأ التعاون العسكري بينهم وبين الليبيين فإنهم اسسوا نواة القوة العسكرية الليبية أي بناء الجيش الليبي الحديث، وتذكر المصادر ان ليبيا كانت تعتمد على مستشارين عسكريين اجانب ايطاليين وفرنسيين وغيرهم ولكن بأعداد قليلة ولأعمال تقنية محددة بينما الروس بدأوا ببضع مئات من العسكريين حتى وصل الرقم في مرحلة ما من التعاون بين الجانبين إلى ما يقرب من ستة آلاف عنصر عسكري روسي. ويقول الروس انهم كانوا ينقلون الخبرة لليبيين وهم كانوا يعملون معهم كأصدقاء على العكس من المستشارين الاجانب الآخرين الذين كانوا يتعاملون مع الليبيين بفوقية إلى حد كبير. المدهش اليوم وبعد كل هذه السنين من تلك الأحداث أن إحدى معضلات البلاد الليبية عدم القدرة على تكوين جيش حقيقي، وأن التخبط في ذلك هو إحدى نقاط الفوضى التي تعصف بالبلاد. بعبارة اخرى الروس ربما انجزوا شيئا مؤقتا وفي زمن خاص وبصورة خاصة ولكنه لم يكن التأسيس الحقيقي ولا التكوين الحقيقي، كانت بضاعة ينقصها الجودة ولم تصمد في وجه الزمن ربما صممت لزمن خاص ولتفكير خاص. يتناسب مع فهم الروس لخصومهم وربما ينطبق على الروس ما ينطبق على الخصوم إلى حد كبير، حيث يردد الروس مقولة «لديك نفط نحن قادمون إليك» ويفهم من هذه العبارة الموجزة ان ما جعل الروس يسارعون للتعاون مع ليبيا هو ما يجعل خصومهم الغربيين يفعلون نفس الشيء. وفي المذكرات إشارات يفهم منها الرؤية الروسية لسلوك الغرب تجاه القذافي وتخلصهم منه في النهاية.من الامور المهمة في المذكرات الإشارة إلى مقولة للكاتب الروسي الكسندر قرين، حيث يقول: لقد فعل هذا الانسان ما لم يكن مفهوما، لذا لن يغفر له أحد ذلك في وقتٍ من الأوقات. كم تنطبق هذه المقولة على الجانبين القذافي والروس.