الشنطة السنغافورية الزرقاء والعلاقات العامة
رغم أن جمهورية سنغافورة تعتبر من أصغر الدول في العالم بمساحة تبلغ أقل من 800 كم مربع وسكان اقل من 6 ملايين نسمة، إلا أن زيارة رئيس وزرائها (لي هاين لوونغ) الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية قبل عدة أيام للتباحث مع الرئيس الأمريكي باراك اوباما قد تمت مراقبتها ومتابعتها من جميع المحللين الاقتصاديين والسياسيين حول العالم لأنها كانت تحمل دلالات غير مسبوقة. والسؤال هو.. متى سمع الإعلام العربي عن الزيارة والحديث عنها؟كانت أحد جوانب الزيارة بمناسبة مرور خمسين عاما على بدء العلاقات الأمريكية السنغافورية بعد استقلال سنغافورة من بريطانيا، إلا أنه وبسبب ما يجري من بوادر نزاع بين أمريكا والصين بسبب نزعة السيطرة على بحر الصين الجنوبي والممرات المائية الإستراتيجية في جنوب شرق آسيا والذي بدا واضحا من خلال استعراض للقوة من الجانب الأمريكي في إشارة قوية للصين حيال نيتها السيطرة على مياه وممرات مائية تعبر من خلالها تجارة تقدر بمئات البلايين من الدولارات. ولهذا فقد كان العالم يراقب هذه الزيارة التي استمرت عدة ايام خاصة أن سنغافورة أول دولة آسيوية وقعت مع الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية تجارة حرة وكون سنغافورة إحدى الدول التي كونت ما يسمى الشراكة عبر المحيط الهادئ. وهي اتفاقية استغرب الكثير من المحللين الاقتصاديين غياب العرب عنها والتي لعلم القارئ فقد تكون جريدة (اليوم) هي من أوائل من تحدث عنها وبين آثارها عبر مقالين كتبهما المحامي سعود العماري. ولهذا فالغريب في الأمر هو اننا لم نسمع عن اي جهة إعلامية عربية قامت بتحليل وتغطية هذه الزيارة وتأثيرها على العالم أجمع والمنطقة العربية بشكل خاص إلا بصورة مفاجأة ليس لأهمية ما دار فيها من مباحثات، ولكن السبب يرجع إلى موضوع صغير لم يخطر على البال وليس له علاقة بالزيارة أو برئيس الوزراء السنغافوري أو الرئيس الأمريكي. بل كل ما في الأمر هو حقيبة اليد التي كانت تحملها زوجة رئيس وزراء سنغافورة السيدة (هو تشينغ) والتي لا تزيد قيمتها على اثني عشر دولارا (45 ريالا). وعرف العالم بعدها أن الحقيبة صممتها طالبة في مدرسة تضم أطفالا مصابين بالتوحد. ورغم بساطة الخبر، إلا أن الخبر سلط الضوء على كيف أن دولة وخلال 50 عاما تحولت من أفقر دولة في العالم إلى قوة اقتصادية رغم أنها تفتقر إلى وجود أي مواد خام وليس بها أي نوع من مقومات التطور سوى اهتمامهم بتطوير وبناء الإنسان والتركيز على التعليم الصحيح والقضاء على الفساد. فحقيبة رخيصة جعلت العالم يحترم سنغافورة ومواطنيها بشكل أكبر في إشارة واضحة بأنك عندما تسافر فالآخر سيحترمك ليس لأن في يدك ساعة مليونية أو تقود سيارة فارهة، بل سيحترمك أكثر إذا كنت تلبس قميصا قيمته دولار ما دمت أنت من صنع القميص. وفي نهاية المطاف فحقيبة يد نسائية رخيصة الثمن أصبحت قيمتها تساوي ما يصرف من ملايين على العلاقات العامة.