إيران.. الأطماع وأوهام القوة
منذ أن وجدت نفسها تتمدد في جوارها العراقي؛ نتيجة الولاءات الطائفية الجديدة بعد العام ٢٠٠٣م، وسقوط نظام صدام حسين، وتبدل السياسات الأمريكية في المنطقة؛ تورّمتْ الأطماع الإيرانية بشكل كبير، ولم تخف رغبتها العارمة في ردم كل الجسور التي تصلها بمولودها على شاطىء المتوسط، والذي يقدم لها خدمات جليلة حتى على حساب مواطنيه، لأنه يتصل بها بحبل السرّة أيديلوجيا وتنظيميا وماليا، ويأتمر بأمر وليها الفقيه، فاستغلت تحالفها مع نظام الأسد؛ لتعزز تواجدها العسكري على الأراضي السورية حتى قبل قيام الثورة السورية ٢٠١١م، وقد أسهمتْ هذه المعطيات في بلورة الحلم الإيراني في تصدير الثورة، ورعاية الثوار بنفس إيراني، لكن سرعان ما أصيب ذلك الحلم بالشلل فقد كانت الثورة في سوريا ضد نظام الأسد حليفها التقليدي، مما أربك سياساتها في بادئ الأمر، إلى أن حزمت أمرها في النهاية بالدخول إلى جانب النظام خلافاً لمنهجها الذي يدّعي مؤازرة الثوار في أي مكان، لتدفع بحزبها في لبنان للانخراط إلى جانب النظام السوري تحت شعار الذود عن المراقد الشيعية المقدسة في بادئ الأمر، إلا أن هذه الذريعة ما لبثت أن تهاوت عندما خرج الحزب من حي السيدة زينب الدمشقي ليحتل القصير وتل كلخ ودوما، وليحارب على كل الجبهات ضد الثورة وصولا إلى حلب. ونتيجة احجام المجتمع الدولي عن إدانة تدخلاتها في العراق وسوريا والبحرين تحت طائلة الملف النووي، فقد توهمتْ إيران أنها تستطيع التواجد في كل مكان في الشرق الأوسط في وقت واحد، ويبدو أنها أصيبت بشيء من جنون العظمة حينما وجدت الغرب يوقع معها المعاهدات حول ملفها النووي في الوقت الذي يصول ويجول فيه جنرالاتها وألويتها ومخابراتها الأراضي العربية، فاندفعتْ بكل ما أوتيت من قوة لتصنع القلاقل هنا وهناك باستغلال البعد الطائفي، وبصفتها الراعي الرسمي للطائفة الشيعية الكريمة، وهي رعاية زائفة ولكنها قد تجد لها بعض الأصداء من قبل بعض المأزومين بالشأن الطائفي. لكن «عاصفة الحزم» جاءتْ بخلاف توقعات القيادة الإيرانية، فأوقفت التغلغل الإيراني في اليمن، ولم يعد له خيار آخر سوى تهريب بعض الصواريخ للانقلابيين لاطلاقها باتجاه المدن السعودية، وفي مشهد ينم على حجم الخيبة التي منيت بها في اليمن، حيث لم تتح لها قوات التحالف فرصة التمدد كما يروق لها في القطر اليمني أسوة بما حدث في كل من العراق وسوريا، لهذا فلم يبق أمامها سوى دفع حلفائها إلى ما يشبه حروب العصابات، بعد أن يئست من أن يكون لها موطئ قدم على الأرض اليمنية، وها هي الآن وبعد أن تجرعت مرارة أوهامها التي دفعتها للتمدد في كل الاتجاهات، تعير قواعدها العسكرية في همدان لروسيا لضرب حلب، وهي بادرة تشي بحجم الأزمة التي تورط فيها نظام الملالي؛ نتيجة أطماعه الكبيرة، ونتيجة أوهام القوة التي قادها إليها تواجدها السهل في العراق، والذي اعتقدت أنه حصاد النصر لثماني سنوات من الحرب معه، ولم تتنبه إلى أنها تسلمته جثة هامدة من الغرب الذي قطع أوصاله، وبعد أن ضاق به المقام فيه تركه لقمة سائغة للإيرانيين، الذين يدفعون اليوم ثمن أطماعهم المتزايدة، وثمن أوهام قوتهم المصطنعة، فاتورة ضخمة لن يقف مداها عند الانهيارات الاقتصادية نتيجة ارتفاع تكاليف حروبهم هنا وهناك، أو إعارة قواعدهم العسكرية لقوى أخرى، وإنما سيمتد إلى اختلال الداخل، وربما ترنح النظام نتيجة اتساع خطواته بما يشبه القفز في المجهول.