العيد.. مرَّ من هنا
احتفل المسلمون بعيد الفطر السعيد، واختلفت مظاهر هذا الاحتفال بين بلد وآخر، ولكنها أجمعت على الفرح بالعيد، والتمتع بلحظاته السعيدة، والاستفادة منه في إحياء قيم التواصل والمحبة، واجتثاث ما علق بالنفوس من أحقاد سابقة لأسباب ربما هي في معظمها صغيرة، لكنها لم تعالج في حينها، فكبرت كما تكبر كرة الثلج عند انحدارها من القمة، فهي تبدأ صغيرة لتنتهي وتستقر كبيرة، تصعب زحزحتها من مكانها، وهكذا هي المشاكل، إذا لم يقض عليها في مهدها، تفاقمت وتطاولت لتصل إلى درجة يصعب فيها الحل، وقد تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. والعيد في حقيقته مناسبة فرح ليس للصغار فقط، لما يحصلون عليه من «عيديات» من الكبار، ولكنه مناسبة فرح للكبار أيضا، فهم يحتفلون بالعيد بعد انقضاء شهر الصيام، الذي يأملون بعده أن يكون صيامهم وطاعاتهم الأخرى مقبولة، بعد أن أدوا الفريضة وأخلصوا في أدائها، ولن يشعر بلذة العيد إلا من شعر بلذة الصيام، فهو احتفال بأداء فريضة سنوية تحظى باهتمام وعناية كل مسلم صادق الإيمان، ففرحة الكبار بالعيد لا تقل عن فرحة الصغار، فكل منهم ينتظر المكافأة، مكافأة الصغار تمنح لهم من الناس، ومكافأة الكبار تمنح لهم من خالق الناس، فالكل ينتظر هذه المكافأة، ويفرح بها، وما عند الله هو أبقى، إذا انتهى ما عند الناس. وأعجب من أناس حتى في العيد لا يتخلون عن أحقادهم وخصوماتهم، فلا يرعون لله حقا ولا ذمة، ولا للدين حرمة ولا وفاء، وكأنهم لم يخرجوا للتو من شهر كريم، جدير بأن تكون طباعه سائدة على الشهور كلها، وسيدة على الناس كلهم، وهذا اختبار لا يجتازه إلا من حسن إسلامهم، وتسامت نفوسهم عن صغائر الأمور، فلا معنى لاستمرار الأحقاد الخصومات، بعد أن هزم الصيام سوء النفس الأمارة بالسوء، ومن يفعل ذلك يكون كمن اختار بعد الظلال الوارفة.. رمضاء حارقة، تستنزف ينابيع الخير التي فجرها الصيام في قلوب المسلمين، وهي ينابيع جدير بالمسلم أن يستقي منها ما يكفي للقضاء على بذور الأحقاد والخصومات، إذا صدقت النوايا، واستقر الإيمان في العقول والقلوب، كما أن هذه الينابيع كافية بأن تزرع بذور النوايا الحسنة، والود والمحبة، لتنمو في ظلالها القيم الأصيلة والمبادئ السامية النبيلة. إذا مر العيد بنا فالاحتفال به لا يكون بالمظاهر أو التظاهر، بل بالشعور العميق بأن هذ العيد - ولتأكيد الفرح به - يعني وقفة صادقة مع النفس، ومغالبة صريحة للأخطاء، وتمسكا وثيقا بالقيم، وانتصارا دائما للخير، وحربا شعواء على انهزام النفس أمام مغريات الحياة، واستمرارا لسلوكيات ما قبله -ما قبل العيد- في الشهر الكريم، ولو سار المسلمون بخطى واثقة في هذا الطريق، لتمكنوا من تجاوز الكثير من مشاكلهم المعقدة، التي قادتهم إلى الاحتراب والتقاتل، والفتن والتناحر، وهم غافلون عما يحاك لهم في الخفاء والعلن، من مؤامرات تهدف إلى الزج بهم في أتون الهزيمة والضعف، لتذهب بهم الهزيمة كل مذهب، ويقودهم الضعف إلى مهاوي العدم، عندما يسيطر أعداؤهم على كل مقدراتهم. العيد ليس مناسبة تمر وتنتهي خلال أيام معدودة، بل هو مناسبة جديرة بالتأمل والتفكير وإعادة النظر في القناعات الهزيلة والسلبية والمتخاذلة، في وقت تحتاج فيه الأمة للمسلم القوي لا المسلم الضعيف، القوي بإيمانه وقوة عزيمته وإصراره على الحق، لا الضعيف بانهزامه النفسي وسلبيته وعدم ثقته بقدراته وطاقاته الذاتية، وهي قدرات وطاقات كفيلة بأن تصنع المستحيل؛ إذا توفرت لها الإرادة والتصميم، لتشق طريقها وسط العقبات الكأداء، والتحديات الشرسة، وما انتصر الإنسان في معركة الحياة إلا بمثل هذه الإرادة وهذا التصميم ليستحق الحياة الحرة الكريمة.