د. محمد حامد الغامدي

هشام ناظر في الأحساء

قابلت هذه الشخصية الشامخة مرة واحدة.. ومن خطط التنمية وجدت معاليه شخصية وطنية فذّة، أعطى للمياه الجوفية اهتماما خاصا في الخطط الخمسية، حيث حذرت وأنذرت من الاستنزاف الجائر. قابلت معاليه في بداية ثمانينيات القرن الماضي، حيث كانت جامعة الملك فيصل تستضيف الوزراء، كمحاضرين في أنشطتها الثقافية. كنت من المنظمين، فرحا بأي تكليف مهما صغر شأنه، ذلك كان يشعرني بقيمتي وأهميتي أمام نفسي مع بدايات تعييني بالجامعة. أذكر من محاضرات الوزراء: الشيخ هشام ناظر وزير التخطيط، الدكتور غازي القصيبي وزير الصناعة والكهرباء، الدكتور سليمان السليم وزير التجارة، الدكتور محمد يماني وزير الإعلام. كل شخصية بذكريات، لم أستطع دخول قاعة محاضرة الدكتور غازي القصيبي، كنت مكلفا بعمل خارج القاعة، زعلت، كان (الزعل) كل ما أذكره عن المحاضرة.مع وزير التجارة، سألته أمام الحضور عن لجوء الوالدة إلى طحين الإمارات لعمل (الدغابيس) بدلا من السعودي، طحين غير صالح لهذه الأكلة الشعبية، ضحك الجميع. أكد الوزير الشكوى في المنطقة الشرقية، قال إنه طلب إجراء بعض التعديلات على الطحين السعودي، طلب منّي متابعة الموضوع مع الوالدة وإفادته بالنتائج، حتى اليوم لم يتحقق طلب معاليه.بالنسبة للدكتور محمد يماني، الأسئلة كانت مكتوبة على ورقة تقدم لمعاليه، كتبت سؤالا، ناقشت زميلا مرافقا عن قناعته بالسؤال، اتخذنا قرارا بتقديم السؤال.. فجأة قرأ معاليه السؤال، كنّا ننتظر إجابة، لكنه قال: أريد مقابلة صاحب هذا السؤال بعد المحاضرة، عندها نظرت إلى زميلي وانسحبت من القاعة، كان السؤال عن الأطباق الطائرة.مع معالي الشيخ هشام ناظر، أيضا كنت من المنظمين داخل القاعة، كنتيجة استمعت إلى جزء من محاضرته، فاتني أجزاء، ما سمعته بقي في ذاكرتي.. أروي لكم بعضها للتذكير بجهود هذه الشخصية الوطنية النّاجحة، توفي الأسبوع الماضي، لندعوا له بالرحمة والمغفرة، من أفضل الوزراء الذين مروا على هذا البلد الآمن الطيب. أثناء النقاش المفتوح وبناء على طلب معاليه، كانت هناك أسئلة جريئة وشفافة، ألهبت القاعة حماسا وتفاعلا. كانت المحاضرة كبقية المحاضرات متاحة للمواطنين في الأحساء، بجانب منسوبي الجامعة، مواطن سأل: لماذا الجبيل وليست العقير مكانا للصناعات الثقيلة؟ رد معاليه أن العقير كانت المكان المقترح، لكن لطبيعة أرض العقير البحرية الصخرية استبدلت بالجبيل، كأن لكل سؤال إجابة مسبقة، كأن معاليه كان مطلعا على كل سؤال قبل الجواب، هذا يوحي بدراسات ونقاشات مستفيضة داخل أروقة وزارته، وزارة التخطيط.سأله أحدهم.. لماذا لم تتطرق وتهتم خطط التنمية بالإنسان؟! كان رد معاليه واضحا وصريحا.. شخصيا أرى أن هذا السؤال كان الأهم، قال معاليه لدينا أموال طائلة وهائلة، واجهنا خيارين، الأول: أن ننتظر بناء الإنسان، وهذا يتطلب سنين طويلة، الخيار الثاني: أن نبدأ فورا بالتنمية، أضاف: اخترنا أن نبدأ بالتنمية فورا، لأن الأموال ستضيع، وسيتم أخذها منّا إن لم نستغلها، اخترنا التنمية، رهاننا قائم على قوة قيم ومبادئ الإنسان السعودي الإسلامية والعربية، ستعطيه قوة لمواجهة التغيير دون تأثيرات سلبية، قال بثقة: الإنسان السعودي قادر على استيعاب وقبول التغيير دون مشاكل. تلك الفلسفة علقت بذهني؛ لأهمية طرحها في حينة، هذا يفسر العدد الهائل من المبتعثين في تلك الفترة للدراسة بالخارج، في كل التخصصات والقطاعات، كان إعداد الإنسان وتهيئته قائما بجانب التنمية، تلك الرؤية خلقت كل القيادات الوطنية المخلصة على جميع الأصعدة، في كل المرافق.السؤال الآخر كان أقرب إلى الاحتجاج والهوشة، اتهم مواطن المنظمين بحجب الوزراء عن مشاهدة الأحساء وشوارعها وحاراتها البائسة كما قال، قال: أنتم تسلكون طرقا بعينها من المطار إلى الجامعة، فجأة طلب من الوزير أن يرافقه في سيارته الشخصية المتواضعة في جولة على الأحساء؛ ليعرف، ويقف على حقيقة وضع الأحساء.ذُهل الجميع من الطلب!، كنت كغيري ننتظر رد الوزير هشام ناظر، أخذ معاليه ثواني من الصمت، فجأة قال: قبلت الدعوة، ثم صمت ثواني أخرى، وقال: بعد عشرة أيام. نعم، أوفى معاليه بوعده، تجول في الأحساء، غادرها بعد أن ضخ (10) ملايين ريال لتطوير وتحسين جبل القارة، وعين نجم، وعد بالكثير الذي تحقق للأحساء. رحم الله هشام ناظر، أعتبره أحد ألمع الوزراء وأنجحهم في التاريخ السعودي. ستخلده مجلدات خطط التنمية التي أنجزتها وزارته في زمنه، الماء فيها خير شاهد.