رسالة بثينة العباد الأخيرة
أحد أسوأ أشكال الاختطاف الذي يمارسه التطرف بعد اختطاف الأرواح البريئة، هو ذلك الاختطاف المعنوي بكل ما فيه من ذكريات ووجود إنساني نبيل، ذلك بالتأكيد يترك جروحا في النفس لا تندمل، وتبقى فاجعة لها أثر عميق من الصعب نسيانه، وذلك في الواقع حال كل الجرائم الإرهابية التي ضربت مجتمعنا وخلّفت وراءها الكثير من المآسي والمرارات في نفوس أهالي الضحايا، ولكل حالة خصوصيتها ومعانيها.في حادثة حسينية سيهات الأخيرة، رحلت طالبة الطب بثينة العباد وهي في سنتها الخامسة، وكان يفترض أن يتم زواجها بعد شهور معدودة، وهنا لنا أن نتصوّر التبعات النفسية للجريمة التي اختطفت روحها البريئة، التي كانت تحلق بها في فضاء مجتمعها الصغير وهي تشارك قبل أيام من رحيلها في فعالية تطوعية لخدمة المجتمع وتتأهب للتخرج الناجح من كليتها المرموقة ودخول قفص الزوجية السعيد، ولا شك أن رحيل كل ذلك مع فقدانها مؤلم وقاس، وإن كان من عزاء فهو أنها ليست عزيزة على خالقها الذي قدّر انتقالها وهي تتعرض لحاصدي الأرواح من المتطرفين.بثينة كانت شعلة من الإنسانية، وحسبنا أنها كانت قيمة مضافة لمجتمعها ووطنها، تمضي في حال سبيلها، وهي تتلمس احتياجات الناس وتكد وتجتهد في درسها لتحصل على أفضل النتائج العلمية والعملية، وذلك توقف لأن متربصا وغادرا ممتلئا بهوس مرضي بقتل الآخرين غدر بها وبغيرها، وانتهينا الى تلك النتيجة المأساوية ولكن الفرق أن بثينة وغيرها من الجميلين يبقون بسيرتهم معطرة ببراءتهم وسعيهم النبيل من أجل مجتمعهم ووطنهم، وأولئك الظلاميون يعودون الى ظلامهم ويصبحون في قائمة جديرة بالنسيان.وكأنها كانت تشعر بالرحيل كان أن كتبت في آخر تواصلها المضيء بالأمل واليقين تغريدة تتضمن رسالة عظيمة الإيمان تقول فيها "الابتلاء الحميد أن تموت في يوم الجمعة على منسك عظيم وفي أطهر بقاع الأرض، ويطهر دمك المطر وميت الهدم شهيد، هنيئا بما كسبت أيديكم»، وهي في الحقيقة تلويحة وداع ربما لم يكن ممكنا استيعابها وهي بكامل حيويتها تبتسم وتغرد وتتفاعل مع الناس، ولكنها وصلت بكل معانيها الرائعة بعد أن رحلت.من المهم والضروري أن يتوقف رحيل الأبرياء بهذه الصورة المأساوية، بأن تصبح بثينة ومن سبقها من الأبرياء أيقونات عزة دفعوا حياتهم ثمنا لكشف زيف الباطل المتطرف، وأدعياء الحق الموهومين والموتورين، ذلك يجعلنا أكثر قوة في مواجهة التطرف والإقصاء واختطاف الدين والحياة، فهؤلاء يستحقون أن نتحد جميعا في المواجهة والحد من خطرهم وإجرامهم حتى نتعايش في أمن وسلام كما هو الحال في بلادنا منذ تأسيسها.