كلمة (بعدين) فرت من قنصها اللغوي الجذري وأصبحت ذات دلالات متعددة .. اهمها: التسويف والوعد والوعيد.. أما الدلالة الرابعة فهي دلالة رحبانية فيها من غموض السخرية ما فيها من وضوحها.. هذه الدلالة هي هدف الأغنية وهو تجريد الإرادة المرهفة للاستمرار والثقة من الوصول الى الهدف.. فالكورس مطمئن إلى أنه سيتنفس بعدين.
لا شيء أطول من الزمن.ولا شيء أقصر منه. إنه ذلك الزمن الإنساني الذي يتأرجح في الأباطح العميقة او القمم العالية في النفس البشرية.الذين قالوا ويقولون: (راح ينقطع النفس هاليومين) سادرون في وديان الوهم.. لأنهم لا يقدرون على قطيعة أكثر من يومين.. أما الكورس فهو قادر أن يعصر الزمن.. أن يجعله يتداخل في نفسه حتى يصبح اليومان لحظة واحدة. لا شيء أطول من الزمن. ولا شيء أقصر منه. إنه ذلك الزمن الإنساني الذي يتأرجح في الأباطح العميقة او القمم العالية في النفس البشرية. هل هذا هو الصبر؟ هل هو هذا الذي ينهره الوعاظ في أيديهم في وجوه ذوي الإرادات المتوثبة؟ لا اعتقد ذلك الصبر موقف سلبي.. موقف يستسلم للعجز البائس.. موقف لا يكشف ما بعده.. لا يستشفه.. إنه يشبه وقوف الماء الذي يأسن شيئا فشيئا.. وهذا بخلاف موقف الكورس الذي يعرف نتيجة موقفه.. لذلك هو يقرر ببساطة ساخرة أنه سيتنفس بعدين. إن سامع الأغنية لابد أن يسأل: ترى ماذا يريد زياد ما سبب إصراره؟ الجواب السهل أنه يريد الحياة.. هكذا بمعناها الساذج الذي تريده جميع الاحياء .. ولكن الجواب البعيد عن السهولة هو ان التنفس الذي يقصده هو الحرية. الحرية هي الحياة بمعناها الفلسفي الوجودي.. ذلك لأنه بدون حرية تبقى الطاقات العقلية والروحية الإبداعية سجينة السير في اتجاه واحد..يمكن الصبر على الحرية كما يصبر الإنسان عن التنفس إلى حد وكما يصبر الفلاح وهو ينتظر ثمار ما غرسه.


