تبدأ هذه الرحلة مع المحطة الأولى، وهي مرحلة المعرفة والألفة «Know You». فالعقل البشري يميل بطبيعته إلى ما يعرفه ويألفه، ولذلك فإن الخطوة الأولى نحو كسب اهتمام المتلقي ليست فرض الوجود بقوة، وإنما إيجاد مساحة حضور مألوفة وهادئة. ولا يقصد آلن ديب بالمعرفة هنا ذلك الانتشار السطحي العابر الذي يزول بزوال شاشات العرض، وإنما يعني التواجد الواعي والذكي في المساحة الحيوية لاهتمام الإنسان. وعندما تنجح في بناء هذا الحضور، تنتقل من منطقة الغريب إلى مساحة الأليف المتوقع، لتفتح بذلك أولى بوابات التواصل.
من هذا المنطلق، ينتقل بنا الفكر التسويقي إلى المحطة الثانية، حيث تتجلى العاطفة في الاستحسان والقبول «Like You». إن الانتقال من إدراك وجود الشيء إلى تقبّله هو انتقال من المعرفة إلى الرغبة والوجدان. فالناس لا ينجذبون إلى المنتجات أو الخدمات لذاتها المادية فقط، وإنما إلى القيمة والصورة الإيجابية التي يجدونها فيها. ويتطلب بناء هذه المرحلة تقديم قيمة حقيقية، وصياغة خطاب يلامس احتياجات الجمهور وتطلعاته. وحين يكون الخطاب متجردًا من الأنانية، ومشحونًا بالصدق والرغبة في تقديم النفع، ينبت الاستحسان بصورة طبيعية، وتتحول العلاقة من متابعة عادية إلى تقارب وجداني يمنح التواصل دفئًا خاصًا.
وتتوج هذه المسيرة بالوصول إلى القمة، وهي مرحلة اليقين والثقة «Trust You». فالثقة هي الروح السارية بين الكلمات والأفعال، وهي ثمرة المصداقية والاتساق. وهذه الحالة لا تُستجدى ولا تُبنى بين عشية وضحاها، بل هي عملية نمو تراكمية تحتاج إلى وقت، ورعاية، ورصيد متواصل من التوافق بين ما تقوله وما تفعله. وعندما تنغرس الثقة، تصبح عملية الشراء أو التفاعل نتيجة طبيعية للعلاقة التي تشكلت عبر مراحل الرحلة.
إن ما يجعل فلسفة آلن ديب مؤثرة هو إدراكها أن التسويق في أصله فن بناء العلاقات الممتدة، وليس مجرد وسيلة لتحقيق نتيجة سريعة. وعندما نتأمل الطريقة التي تتشكل بها القرارات البشرية، نجد أن العقل يحلل والمعايير تقيّم، فيما تتداخل المشاعر والقناعة في صناعة القرار.
@pbthdw



