يجب على الأب والأم أن يسعيا إلى جعل أبنائهما شركاء لهما في البيت، يتحملون المسؤولية على حسب ما يناسب أعمارهم، ويكبر ذلك بتقدّم هذه الأعمار. وفي السيرة النبوية نموذج على ذلك، وما أكثر النماذج لكل خير في سيرة سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه.
فلما انتظر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو وصاحبه الصديق رضي الله عنه قبل هجرتهما إلى المدينة في غار ثور ثلاث ليالٍ، تحركت عائلة أبي بكر الصديق جميعها في خدمة سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم ووالدهم؛ فقد صنعت لهما أسماء بنت أبي بكر -رضي الله- عنها الطعام، وعندما لم تجد للسفرة ولا للسقاء ما تربطهما به، استشارت أباها، فشقت نطاقها شقين، ربطت بواحد السقاء وبالآخر السفرة، وبذلك سُمّيت ذات النطاقين.
وكان الابن عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنه- يبيت عندهما، بل كان يمارس دورًا أمنيًا قويًا، فقد قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن، فيُدْلِج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام».
بل حتى شريك البيت عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، كان يرعى الغنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْلٍ، وهو لبن مِنْحَتِهما ورَضيفِهما، حتى ينادي بها عامر بن فهيرة بغَلَس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
وكان عامر بن فهيرة يتعاون مع عبد الله بن أبي بكر، فيتبع بغنمه أثره بعد ذهابه إلى مكة ليُعَفّي عليه، وبالتالي يغطي أثر الغنم على أثر عبد الله.
لا تجعل ابنك ضيفًا في بيته، ثم تطلب منه أن يكون قائدًا في مجتمعه. أعطه مسؤولية تناسب عمره، وأشركه في أعمالك، ودعه يخطئ ويتعلم وينجح. فالمسؤولية لا تُدرَّس بالمواعظ وحدها، بل تُبنى بالممارسة.
لقد تحرك بيت أبي بكر كله في لحظة عظيمة، وكان لكل فرد فيه دور يؤديه؛ وهكذا تُبنى البيوت القوية: أبوان يثقان، وأبناء يشاركون، ومسؤوليات تكبر معهم.
فلا تسأل غدًا: لماذا لم يتحمل ابني المسؤولية؟ واسأل اليوم: متى أعطيته مسؤولية ليتحملها؟
[email protected]



