في تلك المواقف، نجد أنفسنا أحيانًا نمسك زمام أعمال ليست من صميم مهامنا، لا بحثًا عن دورٍ إضافي، ولا تجاوزًا لحدود المسؤولية، وإنما لأن حس المبادرة يفرض علينا أن نتقدم خطوة إلى الأمام، حتى لا تتعطل عجلة العمل.
وقد وجدتني، في فترة جائحة كورونا، أجلس على كرسي أحد الإداريين في العمل؛ لأن الظرف كان يستوجب أن يأخذ أحدهم مكانه مؤقتًا، وأن تستمر الأعمال دون أن تتأثر، وفي مواقف أخرى، وجدتني أتولى ترتيب عملٍ وتنظيمه، لأن من كان يتولى إدارته طرأ له ظرف حال دون ذلك.
لم يكن الأمر بحثًا عن مساحة جديدة، بقدر ما كان استجابة لحاجة فرضها الموقف، وفي مثل هذه الحالات، لا أرى أن كوننا «بدل فاقد» يعني أننا تجاوزنا أدوارنا أو اخترقنا حدود مهامنا، بل يعني أننا أدركنا أن العمل في بعض لحظاته يحتاج إلى من يسد الفراغ، ويحمل المسؤولية، ويدفع الأمور إلى الأمام حتى تعود إلى مسارها الطبيعي.
لكن، وفي المقابل، ليست كل المواقف تستوجب أن نكون فيها «بدل فاقد». فكما أن هناك أعمالًا تفرض علينا أن نتقدم لسد الفراغ، هناك أعمال أخرى علينا أن نعرف فيها متى نتراجع، ومتى نترك المساحة لصاحبها، ومتى ندرك أن المبادرة لا تعني أن نكون حاضرين في كل شيء.
فـ«بدل الفاقد» في الأصل حالة استثنائية، تفرضها ظروف طارئة أو حاجة عابرة، وليست دورًا دائمًا نتولاه كلما غاب المسؤول عن أداء مهمته، حين يكون هناك من تقع عليه مسؤولية العمل، وقادر على القيام به، فلا ينبغي أن نكون نحن البديل عنه، ولا أن تتحول روح المبادرة لدينا إلى وسيلة لتعويض التقصير المستمر لدى الآخرين.
ولعل أجمل ما في «بدل الفاقد» أن يبقى في مكانه الصحيح: حضورًا استثنائيًا حين تستدعي الظروف، نكون بدل فاقد حين يحتاج العمل إلينا، وحين يكون غياب شخص أو ظرف طارئ قد يترك فراغًا لا يحتمل الانتظار، ثم نعود إلى أدوارنا حين تعود الأمور إلى مجراها.
فليس علينا أن نكون «بدل فاقد» دائمًا لنبدو في أعين الآخرين أبطالًا، فليست البطولة في أن نملأ كل فراغ، أو أن نحمل كل ما يتعثر على أكتافنا، أحيانًا تكون البطولة أن نعرف ما لنا وما علينا، وأن نؤدي ما أُسند إلينا بإتقان، ونمنح واجبنا حقه دون أن نتجاوز ما ليس لنا.
فبعض البطولات تكون في أن نتقدم حين تستدعي الحاجة، وبعضها في أن نعرف متى نترك المساحة لصاحبها، وفي الحالتين، يبقى الأهم أن نؤدي أدوارنا كما ينبغي؛ فليس كل حضور بطولة، وليس كل تراجع غيابًا، بل لكل موقف موضعه، ولكل دور حدوده.


