ويُقصد بالسلب الإبداعي، في سياق هذا المقال، الممارسات التي قد تؤدي إلى مصادرة القيمة المعنوية أو المهنية للفكرة أو الإنجاز، سواء من خلال نسبته إلى غير صاحبه، أو تهميش صاحبه، أو الاستحواذ عليه، أو إقصائه من فرص التطوير والقيادة، أو التقليل من أثر مساهماته.
وتشير دراسات في السلوك التنظيمي إلى أهمية ما يُعرف بـ«الأمان النفسي» في بيئة العمل، وهو شعور الفرد بإمكانية طرح أفكاره ومناقشتها وتجريبها دون خوف من السخرية أو التهميش أو العقاب. كما تشير بعض الدراسات إلى أن توفير بيئة عمل تتسم بالثقة والإنصاف والحوار يمكن أن يسهم في تعزيز الابتكار، وزيادة قدرة المؤسسات على التكيف مع المتغيرات وتطوير الحلول.
وفي المقابل، قد يؤدي غياب التقدير والإنصاف في بيئة العمل إلى ثقافة تنظيمية تقوم على الحذر بدلًا من المبادرة، وعلى الصمت بدلًا من الحوار، وعلى تكرار الأساليب القائمة بدلًا من البحث عن أساليب جديدة. ومع مرور الوقت، قد تتحول المؤسسة إلى بيئة تستهلك الأفكار أكثر مما تشجع على إنتاجها، وتفضل المحافظة على الواقع القائم بدلًا من تطويره، وهو ما قد ينعكس على الإنتاجية والقدرة التنافسية.
ولا تتوقف أهمية هذه المسألة عند حدود المؤسسات، بل تمتد إلى الاقتصاد المعرفي بصورة عامة. وتشير تقارير دولية متخصصة في الملكية الفكرية والاقتصاد المعرفي إلى تزايد أهمية الأصول غير الملموسة، وفي مقدمتها المعرفة والابتكار والملكية الفكرية، في قيمة المؤسسات والاقتصادات الحديثة. وهذا يعني أن حماية الأفكار والمبدعين لم تعد قضية أخلاقية أو قانونية فقط، بل أصبحت أيضًا عنصرًا مهمًا في دعم النمو والإنتاجية والاستثمار.
ومن زاوية أخرى، قد يكون غياب التقدير والاعتراف بالإنجازات أحد العوامل المؤثرة في انتقال بعض الكفاءات من مؤسسة إلى أخرى أو بحثها عن بيئات مهنية مختلفة. فالكفاءات لا تبحث دائمًا عن دخل أعلى فقط، وإنما قد تبحث أيضًا عن بيئات تحترم أفكارها، وتعترف بإنجازاتها، وتمنحها فرصًا عادلة للنمو والتطور. وعندما يشعر المبدع بأن جهده لا يحظى بالتقدير الكافي، فقد يتراجع ارتباطه ببيئة العمل، مهما كانت الحوافز المادية المتاحة.
ولذلك، فإن بناء ثقافة مؤسسية عادلة يمثل جانبًا مهمًا من تطوير بيئات العمل، إلى جانب الأنظمة والسياسات والإجراءات. فالمؤسسة التي توثق الإنجازات، وتحفظ الحقوق الفكرية، وتشرك أصحاب المبادرات في تطوير الأفكار وصناعة القرار، وتربط التقدير بالإنجاز الحقيقي، هي مؤسسة تهيئ بيئة أكثر ملاءمة للابتكار المستدام.
وفي المملكة العربية السعودية، تحظى تنمية القدرات البشرية والابتكار باهتمام ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، إلى جانب المبادرات والبرامج التي تستهدف تطوير مهارات الإنسان وتعزيز قدراته ومساهمته في الاقتصاد الوطني. ومن هنا تبرز أهمية توفير بيئات تعليمية ومهنية محفزة على الإبداع، تُصان فيها الحقوق الفكرية، ويُقدّر فيها الإنجاز، ويُنظر إلى المبدعين بوصفهم شركاء في التنمية، لا مجرد منفذين.
إن المسؤولية هنا مشتركة؛ فالقادة مطالبون ببناء ثقافة تقوم على الثقة والإنصاف، والمؤسسات مطالبة بتطوير سياسات واضحة لحماية المبادرات والاعتراف بالمساهمات، والمبدعون مطالبون بتوثيق أعمالهم، ونشر إنتاجهم، والتمسك بأخلاقيات العمل التعاوني. وعندما تتكامل هذه الأدوار، يمكن أن تتحول بيئة العمل إلى مساحة لإطلاق الإمكانات، بدلًا من أن تصبح ساحة للتنافس غير الصحي على الإنجازات.
وختامًا، إن حماية الإبداع ليست ترفًا إداريًا، بل استثمار في الإنسان، وحماية لأحد أهم الموارد التي تمتلكها المؤسسات والمجتمعات.
@mesfer753



