وليس التركيز مجرد كلمة نرددها في كتب الإدارة وتطوير الذات؛ فالبحوث العلمية في علم النفس المعرفي تشير إلى أن قدرة الإنسان على الانتباه مورد محدود، وأن الانتقال المستمر بين المهام يفرض كلفة ذهنية تؤثر في جودة الأداء. ومن هنا يمكن فهم عبارة تختصر كثيرًا من هذه البحوث: التركيز هو جوهر اللعبة.
فالوقت محدود، والطاقة محدودة، والمال محدود، لكن ما نفعله غالبًا هو تشتيت هذه الموارد على أهداف ومهام ورغبات كثيرة، ثم نتساءل لماذا لم نصل إلى شيء منها كما ينبغي. نتحرك كثيرًا، وننجز قليلًا، ونخلط بين الانشغال والتقدم.
ومن هذا المنطلق، يفسر علم النفس المعرفي ما يحدث لنا انطلاقًا من مفهوم «تكلفة تبديل الانتباه»؛ فعندما ننتقل من مهمة إلى أخرى، لا ينتقل العقل معها بالسرعة نفسها، بل يحتاج إلى إعادة بناء السياق واستعادة التركيز، فتتراكم الخسائر الصغيرة حتى تصبح وقتًا وجهدًا ضائعين.
وتشير بحوث الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن الانتقال المتكرر بين المهام يضعف الكفاءة ويزيد الأخطاء. كما درست الباحثة غلوريا مارك، من جامعة كاليفورنيا في إرفاين، أثر المقاطعات الرقمية في العمل، وأظهرت أبحاثها أن استعادة التركيز بعد المقاطعة ليست عملية فورية.
وهنا تدخل وسائل التواصل الاجتماعي إلى المشهد. إشعار صغير يقطع فكرة كبيرة، ورسالة عابرة تفتح بابًا لرسائل أخرى، ومقطع قصير يسرق دقائق تتحول، دون أن نشعر، إلى ساعة. المشكلة ليست في الهاتف وحده، وإنما في أننا سلمناه مفتاح انتباهنا.
وتجدر الإشارة إلى أن دراسة من جامعة ستانفورد وجدت أن الأشخاص الذين يكثرون من التعامل مع مصادر متعددة للمعلومات يواجهون صعوبة أكبر في تصفية المعلومات غير المهمة والمحافظة على الانتباه. وهذا يفسر شيئًا نعيشه يوميًا: قد يكون كل شيء حولنا متاحًا، لكن قدرتنا على التركيز ليست كذلك.
وفي الحياة، لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى مزيد من الوقت؛ أحيانًا يحتاج إلى مزيد من الاستبعاد. أن يقول: هذا مهم، وهذا يمكن تأجيله، وهذا لا يستحق أن يأخذ من انتباهي شيئًا. فالطالب، والموظف، ورائد الأعمال، لا يستطيعون منح أهدافهم أفضل ما لديهم إذا وزعوا أفضل ما لديهم على كل شيء.
**الجملة الذهبية:** ما لا تملك شجاعة استبعاده، قد يصبح هو السبب في ضياع ما تريد تحقيقه.
**وفي دفتر الكاتب:** لا تسأل نفسك في بداية يومك: ماذا أستطيع أن أنجز؟ بل اسأل: ما الشيء الوحيد الذي يستحق أفضل ما لدي اليوم؟
يمكننا القول إن التركيز ليس أن تفعل أكثر، بل أن تمنح الأهم منك أنت أولًا.
فالنجاح لا يحتاج دائمًا إلى وقت أكثر، بل إلى انتباه أقل تشتتًا.



