وهذا فارق جوهري في علم الاقتصاد؛ فثروة الدول في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بحجم مواردها وحدها، بل بقدرتها على تحويل رأس المال والطاقة والمعرفة والمواد الخام إلى منتجات عالية القيمة، ثم ربطها بسلاسل توريد وأسواق تصديرية وتقنيات قادرة على الاستمرار والمنافسة.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة المنتدى بوصفه منصة تعكس الاتجاه الجديد للاقتصاد السعودي تحت مظلة رؤية 2030، حيث اجتمع صانع القرار والمستثمر والصناعي ومقدم التقنية ومكونات سلسلة الإمداد في مساحة واحدة.
وهذه إحدى أهم وظائف المنتديات الصناعية الحديثة: خفض كلفة الوصول بين أطراف السوق، وتسريع تكوين الشراكات، وتحويل المعلومات والفرص المتناثرة إلى مشاريع قابلة للاستثمار.
لقد تناول المنتدى ملفات التصنيع المتقدم، والصناعات الغذائية والدوائية، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، والطاقة والاستدامة، والذكاء الاصطناعي والأتمتة. ولا ينبغي النظر إلى هذه القطاعات منفردة؛ فقوتها الحقيقية تنشأ عندما تتشابك داخل منظومة إنتاج وطنية واحدة.
فالصناعة لا تعني إنتاج السلعة فحسب، بل تخلق طلبًا على المعادن والإلكترونيات والبرمجيات والخدمات الهندسية والنقل والتخزين والتمويل والصيانة والبحث والتطوير. وكلما ارتفعت نسبة هذه المكونات المنتجة محليًا، تضاعف الأثر الاقتصادي للاستثمار الصناعي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم مصنعًا يمكن افتتاحه؟ بل: كم سلسلة قيمة يمكن بناؤها داخل المملكة؟
السعودية تمتلك مجموعة من المزايا التي يصعب اجتماعها في سوق واحدة: رأس مال قوي، وطاقة، وموارد معدنية، وموقع جغرافي يربط ثلاث قارات، وبنية لوجستية متقدمة، وسوق محلية كبيرة. والتحدي يتمثل في تحويل هذه المزايا من عناصر منفصلة إلى منظومة إنتاج متكاملة.
ومع دخول الأتمتة والذكاء الاصطناعي إلى هذه المعادلة، تصبح القضية قضية إنتاجية أيضًا؛ فالمنافسة الصناعية تقوم على الكفاءة، وسرعة سلاسل الإمداد، وجودة المنتج، والقدرة على تحليل البيانات وتقليل الهدر.
لذلك، فإن نجاح الصناعة لا يُقاس بعدد المصانع وحده، بل بقدرتها على نقل المعرفة، وتأهيل المورد المحلي، وتوفير وظائف عالية المهارة، وزيادة المحتوى المحلي، وتوسيع الصادرات.
وهنا تتجلى الرؤية الاقتصادية في بناء اقتصاد تكون فيه الموارد رافعة لتأسيس مصادر قوة جديدة، وتحويل رأس المال إلى أصول منتجة، والتقنية إلى إنتاجية، والطلب المحلي إلى قاعدة لصناعات قادرة على المنافسة.
السعودية اليوم لا تكتفي بقراءة مستقبل الصناعة؛ إنها تبني مقوماته على الأرض.
@malarab1



