توقفت طويلًا عند هذه المقولة، ومع اختلاف الروايات في نسبتها وصياغتها، فإن معناها يلامس شيئًا عميقًا في رحلة الإنسان.
وحين أسقطت هذه الفكرة على الموارد البشرية، وجدت أنها تصف رحلة الممارس فيها بصورة دقيقة. ففي البدايات تبدو المهنة واضحة: عقود، وتوظيف، ورواتب، وحضور وانصراف، وتقييم أداء، وإجراءات وسياسات. نتعلم كيف ننجز ونطبق ونجيب عن الأسئلة، ومع كل مشكلة نحلها يتكون في داخلنا شعور بأننا بدأنا نفهم الموارد البشرية، لكننا نكتشف لاحقًا أن معرفة الإجراء لا تعني بالضرورة فهم أثره، وأن تطبيق النظام لا يعني دائمًا أننا عالجنا المشكلة، وأن الإجابة الصحيحة نظاميًا قد لا تكون الأكثر ملاءمة إنسانيًا أو تنظيميًا.
وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية؛ حين يتوقف ممارس الموارد البشرية عن الاكتفاء بسؤال «ماذا أفعل؟» ويبدأ بسؤال «لماذا يحدث هذا أصلًا؟». فإذا جاءه مدير يشكو من ضعف أداء موظف، لا يسارع فقط إلى تقييمه أو إنذاره، بل يتساءل: هل يعرف الموظف المطلوب منه؟ هل تلقى التدريب؟ هل مؤشرات الأداء واضحة؟ وهل ترتبط المشكلة بالموظف وحده، أم أن هناك عوامل أخرى في بيئة العمل أو أسلوب الإدارة أو تصميم العمل؟
وإذا ارتفعت الاستقالات، لا يكتفي بالبحث عن بدلاء، بل يسأل: لماذا يغادر الموظفون؟ وهل نعالج نتيجة المشكلة أم جذورها؟ وإذا أطلقنا نظامًا جديدًا لتقييم الأداء، هل تغير الأداء فعلًا، أم تغيرت النماذج فقط؟
عندها يتسع مفهوم الموارد البشرية في ذهن الممارس؛ فيكتشف أن خلف كل إجراء قصة أكبر: خلف العقد علاقة، وخلف العلاقة تجربة، وخلف التجربة ثقافة، وخلف الثقافة قيادة، وخلف القيادة استراتيجية. وأن الإنسان الذي نتعامل معه يوميًا لا يمكن اختزاله في ملف وظيفي أو مسمى أو رقم في كشف الرواتب.
وهنا يتحول السؤال من «ماذا أعرف؟» إلى «ماذا لا أعرف؟»، وهذه ليست لحظة ضعف مهني، بل ربما تكون أول علامات النضج الحقيقي.
فالمشكلة ليست أن ممارس الموارد البشرية لا يعرف كل شيء؛ فهذا مستحيل، وإنما أن يعتقد أنه يعرف كل شيء. وكلما تعمق في المهنة، اكتشف حاجته إلى علوم وتجارب تتجاوز تخصصه المباشر؛ إلى السلوك التنظيمي والقيادة والاقتصاد والبيانات والتقنية والتشريعات وإدارة التغيير، وإلى خبرات الآخرين التي قد تكشف له زاوية لم يرها من قبل.
وهنا يولد التواضع المهني الحقيقي؛ ليس التواضع الذي يجعلنا نتردد في اتخاذ القرار، وإنما الذي يجعلنا نمتلك الشجاعة لنقول: «لا أعرف»، ثم نبحث ونسأل ونستعين بمن يعرف. فممارس الموارد البشرية الناضج ليس بالضرورة من يملك إجابة لكل سؤال، بل من يعرف متى يحتاج إلى سؤال جديد، ومتى يحتاج إلى رأي متخصص، ومتى يحتاج إلى مراجعة قناعته.
ومن هنا أرى أن النضج في الموارد البشرية يمكن اختصاره في قاعدة بسيطة: اعرف ما تعرف، واعرف ما لا تعرف، واعرف من يعرف. فسنوات العمل وحدها لا تصنع الخبراء؛ فقد تمنح الإنسان عشر سنوات من الخبرة، وقد تمنحه سنة واحدة تتكرر عشر مرات. الفارق الحقيقي هو ما الذي تعلمه من كل تجربة، وما الذي تغير في طريقة تفكيره بعدها.
ومع مرور الوقت، تحدث المفارقة الجميلة: كلما زادت معرفة الإنسان، زاد إدراكه لاتساع ما يجهله. عندها لا يعود التعلم بالنسبة لممارس الموارد البشرية دورة يحضرها أو شهادة يضيفها إلى سيرته الذاتية، بل يصبح طريقة يعيش بها المهنة؛ يتعلم من الموظف، ومن المدير، ومن الخطأ، ومن القرار الذي لم ينجح، ومن التجربة التي نجحت.
ختاماً: كلما اتسعت معرفتك، لا ينبغي أن تكبر في عينيك مساحة ما تعرف، بل أن تتسع في وعيك مساحة ما يمكنك أن تتعلمه.



