ومن المظاهر اللافتة التوسع الكبير في أساطيل مركبات التوصيل، حتى أصبح وجودها بكثافة في مختلف الطرق والإشارات المرورية مشهدًا اعتياديًا. ويعكس هذا الانتشار حجم الطلب على الخدمة، لكنه في المقابل يفرض ضغطًا متزايدًا على شبكة الطرق، ويرفع كثافة الحركة المرورية، ويزيد من استهلاك البنية التحتية، كما قد يرفع احتمالات وقوع الحوادث نتيجة تزايد عدد المركبات العاملة لساعات طويلة وبشكل متواصل.
وفي الوقت نفسه، أسهمت تطبيقات التوصيل في تغيير سلوك المستهلكين بصورة ملحوظة؛ فبعد أن كانت الأسرة أو الفرد يخصص رحلة واحدة لشراء احتياجاته من السوبرماركت والصيدلية والمخبز، وربما المطعم، أصبح من المعتاد اليوم طلب كل احتياج بشكل منفصل وفي أوقات مختلفة، فتحولت رحلة واحدة إلى عدة رحلات تنفذها مركبات متعددة، وهو ما أدى إلى زيادة عدد الرحلات اليومية على الطرق، وارتفاع استهلاك الوقود، وزيادة الازدحام والانبعاثات، وارتفاع التكاليف التشغيلية لمنظومة النقل.
ومن منظور اقتصادي، توجد تكاليف غير مباشرة لا تظهر في القوائم المالية لشركات التوصيل، إلا أن آثارها قد تنعكس على منظومة النقل والخدمات المرتبطة بها. فكل رحلة إضافية تعني استهلاكًا أكبر للطرق، وارتفاعًا في احتمالات الحوادث، وزيادة في احتياجات الصيانة، ومتطلبات إدارة الحركة المرورية، فضلًا عن الوقت الذي قد يفقده مستخدمو الطريق بسبب الازدحام. وتمثل هذه الآثار جانبًا اقتصاديًا واجتماعيًا يستحق الدراسة بالتوازي مع النجاحات التي يحققها القطاع.
وتبرز هنا مفارقة تستحق التأمل؛ إذ يعتمد نموذج الأعمال في كثير من تطبيقات التوصيل على زيادة عدد الرحلات باعتبار أن كل رحلة تمثل مصدر دخل إضافيًا، بينما تقوم كفاءة النقل على تقليل عدد الرحلات من خلال تجميع الطلبات ورفع كفاءة كل رحلة. وبين هذين الهدفين يظهر تحدٍ حقيقي يتطلب تحقيق التوازن بين مصالح الشركات والمصلحة العامة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية قطاع التوصيل أو الدعوة إلى الحد من نموه، بل على العكس، فإن المطلوب هو تطوير نموذج أكثر استدامة، يشجع على تجميع الطلبات متى أمكن، وتحفيز المستهلكين على اختيار التوصيل المجدول بدلًا من الطلبات المتفرقة غير الضرورية، إلى جانب تشجيع الشركات على استخدام التقنيات الحديثة والمركبات منخفضة الانبعاثات، والإسهام في برامج السلامة المرورية بوصفها شريكًا رئيسيًا في منظومة النقل.
كما أن المرحلة المقبلة تستدعي حوارًا بين الجهات التنظيمية وشركات التوصيل لوضع سياسات تحقق التوازن بين النمو الاقتصادي واستدامة قطاع النقل، بحيث تُراعى آثار التوسع في النشاط على الطرق والبنية التحتية والسلامة المرورية، دون الإخلال بجودة الخدمة أو تنافسية السوق. وربما حان الوقت أيضًا لدراسة أفضل السبل لتعزيز استدامة القطاع، بما يسهم في المحافظة على كفاءة منظومة النقل واستدامتها على المدى الطويل.
إن نجاح شركات التوصيل لا ينبغي أن يُقاس بعدد الطلبات المنفذة أو حجم الأرباح المحققة فحسب، بل بقدرتها على تحقيق هذا النجاح مع مراعاة كفاءة استخدام الطرق، وتعزيز السلامة المرورية، والمحافظة على البنية التحتية والموارد، بما يضمن أن تكون مكاسب التنمية متوازنة ومستدامة وتنعكس آثارها الإيجابية على الجميع.
ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت شركات التوصيل تحقق عوائد من كل رحلة، في حين قد تنعكس بعض الآثار المصاحبة للنمو على منظومة النقل والبنية التحتية، فهل آن الأوان لدراسة سبل تعزيز التوازن بين النمو الاقتصادي واستدامة قطاع النقل، بما يحقق المصلحة العامة، ويضمن استمرار تطور هذا القطاع الحيوي بكفاءة واستدامة؟



