أتذكر لقاءً قديمًا مع فنانة عربية راحلة، تحدثت فيه عن أهمية اجتماع الأسرة حول مائدة الإفطار أو الغداء، معتبرةً أن هذا الاجتماع اليومي أحد أهم مظاهر تماسك الأسرة واستقرارها. ولا أعلم متى أُجري ذلك اللقاء، لكن كلماتها بقيت حاضرةً في الذهن، لأنها لامست قيمةً إنسانيةً تتجاوز حدود الزمان والمكان.
ولو قُدِّر لها أن ترى واقع كثيرٍ من الأسر اليوم، لوجدت أن المشهد قد تبدّل بصورةٍ لافتة. فلم تعد مائدة الطعام الموعد الثابت الذي ينتظره الجميع، بل أصبح لكل فردٍ وقته الخاص، ووجبته الخاصة، وعالمه المنعزل. يتناول أحدهم طعامه في غرفته، وآخر أمام شاشة هاتفه، وثالث خارج المنزل مع أصدقائه، بينما يكتفي أفراد الأسرة بالالتقاء في الممرات أكثر من اجتماعهم حول مائدةٍ واحدة.
ولا يمكن إنكار أن إيقاع الحياة المتسارع، واختلاف مواعيد العمل والدراسة، والتطور التقني، كلها عوامل أسهمت في هذا التغيير. غير أن المشكلة لا تكمن في تغير الظروف بقدر ما تكمن في تراجع الحرص على صناعة لحظاتٍ تجمع الأسرة، ولو لدقائق معدودة. فالعلاقات الأسرية لا تنمو بالمصادفة، بل تحتاج إلى وقتٍ مشترك، وحوارٍ متبادل، واهتمامٍ يومي.
ولم تكن مائدة الطعام يومًا مجرد مكانٍ لتناول الطعام، بل كانت مدرسةً اجتماعيةً يتعلم فيها الأبناء آداب الحوار، واحترام الكبير، والإنصات للآخرين، ويتعرف الوالدان من خلالها إلى تفاصيل يوم أبنائهما، وهمومهم، وأفراحهم، قبل أن تسرقهم مشاغل الحياة. وكانت أيضًا فرصةً لتقوية الروابط الأسرية بعيدًا عن الانشغال بالشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولعل شهر رمضان المبارك يظل الاستثناء الأجمل في هذا المشهد؛ إذ تعود كثير من الأسر إلى الاجتماع حول سفرة الإفطار، وكأن الشهر الكريم يذكّر الجميع بقيمة اللقاء التي كادت تضيع وسط زحام الحياة. وما إن ينتهي رمضان، حتى تعود تلك الموائد إلى هدوئها، ويعود كثيرون إلى انشغالاتهم اليومية.
إن اجتماع الأسرة لا يحتاج إلى مناسباتٍ استثنائية، ولا إلى موائد فاخرة، بل يحتاج إلى قرارٍ بسيط يمنح العائلة وقتًا تتشارك فيه الحديث قبل الطعام، والاهتمام قبل الانشغال. فربما تكون وجبةٌ واحدة في اليوم، أو حتى في الأسبوع، كافيةً لإحياء حوارٍ انقطع، أو احتواء ابنٍ يحتاج إلى الإصغاء، أو رسم ذكرى جميلة تبقى في وجدان الأسرة.
لقد تغيّر الزمن، وتغيّرت أنماط الحياة، لكن حاجة الإنسان إلى دفء العائلة لم تتغير. وستظل المائدة، مهما اختلف شكلها، رمزًا للاجتماع والألفة، لا لمجرد تناول الطعام. فترابط الأسرة لا يقاس بعدد أفرادها الذين يعيشون تحت سقفٍ واحد، بل بعدد اللحظات التي يجتمعون فيها بقلوبهم قبل أجسادهم.
وفي رأيي، فإن إعادة إحياء عادة الاجتماع حول مائدة الطعام ليست حنينًا إلى الماضي بقدر ما هي استثمارٌ في مستقبل الأسرة. فالذكريات الجميلة لا تُصنع في المناسبات الكبرى وحدها، وإنما تولد من تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم، وقد تكون سفرةٌ تجمع أفراد العائلة لبضع دقائق هي أجمل تلك التفاصيل وأكثرها أثرًا.
[email protected]



