ليست مصادفة أن تتصدر دول مثل السويد والصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية قائمة المجتمعات الأكثر اعتمادًا على الدفع الإلكتروني، حتى إن بعض المتاجر في السويد باتت ترفض استقبال النقود الورقية. وفي المقابل، لا تزال دول عديدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تتمسك بالدفع النقدي، ليس حبًا في الأوراق الملونة، بل لأسباب تتعلق بالثقافة والخصوصية والثقة بالنظم المصرفية ومستويات الشمول المالي.
ولعل المفارقة الطريفة التي يعيشها الإنسان المعاصر اليوم تتمثل في أنه كلما ازدادت سرعة الدفع، قلَّ شعوره بملامسة المال. فحين تدفع نقدًا ترى الورقة تغادر يدك، أما حين تدفع إلكترونيًا فقد تغادر الأموال حسابك دون أن تشعر، إلا عندما تصلك رسالة من البنك. ولذلك يقول بعض خبراء الاقتصاد السلوكي إن الإنفاق الإلكتروني يجعل الإنسان أكثر ميلًا إلى الصرف، وأقل إحساسًا بقيمة المبلغ المدفوع.
غير أن الوجه الآخر للصورة أكثر إشراقًا؛ فالدفع الإلكتروني وفر الشفافية، وخفض معدلات السرقة، وسهَّل التجارة والسفر والتحويلات، وفتح أبوابًا واسعة أمام الاقتصاد الرقمي. لكنه، في الوقت نفسه، أوجد تحديات جديدة تتعلق بالاختراقات الإلكترونية، وتعطل الأنظمة، وفقدان الخصوصية، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا. فلو انقطع الإنترنت أو تعطلت الشبكات لبضع ساعات فقط، لاكتشف كثيرون أنهم يحملون هواتف ذكية ومحافظ فارغة.
ومن الزوايا الإنسانية التي تستحق التأمل قضية الصدقات والمساعدات. ففي الماضي كانت يد المعطي تلتقي بيد المحتاج، وكان في المشهد دفء إنساني ورسالة اجتماعية تتجاوز قيمة المال نفسه. أما اليوم فقد أصبحت الصدقة تصل بضغطة زر، والتبرع يتم عبر رمز إلكتروني أو تطبيق مصرفي. صحيح أن ذلك وسَّع دائرة الخير، وسهَّل وصول المساعدات إلى آلاف المستحقين، لكنه يطرح سؤالًا فلسفيًا لطيفًا: هل يمكن للتكنولوجيا أن تنقل المال بالسرعة نفسها التي تنقل بها مشاعر الرحمة؟
ولعل المستقبل لن يكون انتصارًا كاملًا للنقد أو للتقنية، بل توازنًا بينهما؛ فالنقود الورقية تحمل ذاكرة البشر، بينما تحمل المدفوعات الرقمية أحلام المستقبل، وبين هذا وذاك يبقى الإنسان هو العنصر الأهم؛ لأن المال في النهاية ليس مجرد وسيلة للدفع، بل وسيلة لبناء الثقة وصناعة العلاقات وتحقيق التكافل.
وقديمًا قيل: «المال خادمٌ جيد، لكنه سيدٌ سيئ». وفي عصرنا الرقمي يمكن أن نضيف: «والهاتف محفظةٌ ذكية، لكنه لا يزال عاجزًا عن مصافحة الفقير». وبين الورقة النقدية والشاشة المضيئة تبقى الحكمة القرآنية خالدة: «وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ» -سورة البقرة: الآية 110-، لأن قيمة العطاء لا تُقاس بطريقة الدفع، بل بالنية التي تقف خلفها.
إعلامية وباحثة أكاديمية - مملكة البحرين
[email protected]



