إن التوازن بين الماضي والمستقبل ليس موقفًا وسطًا فحسب، بل هو مسؤولية يعيشها الإنسان في حياته اليومية. وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذا المعنى بقوله تعالى: «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» -البقرة: 143-. فالوسطية تعني القدرة على الجمع بين الاعتزاز بالموروث والانفتاح الواعي على المستقبل.
وأرى أن الشباب هم الأقدر على تحقيق هذا التوازن؛ فهم يعيشون مرحلة تتقاطع فيها خبرات الآباء مع تطلعات الحاضر. ولا يتحقق هذا الدور بالشعارات، بل بالممارسات اليومية التي تعكس القيم في السلوك والعمل.
ويعيش كثير من الشباب تحديًا يتمثل في المحافظة على ما نشأوا عليه من قيم، مع الاستجابة للتحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع. ويسعون إلى التوفيق بين برّ الوالدين، وتحقيق طموحاتهم، والمشاركة في بناء مستقبل وطنهم، دون أن يفقدوا ارتباطهم بجذورهم.
ودورهم ليس أن يكونوا نسخة من الماضي، ولا أن يقطعوا صلتهم به، بل أن ينقلوا قيمه إلى المستقبل بروح معاصرة. وقد تجلى هذا المعنى في جناح العلا خلال المنتدى السعودي للإعلام 2026، حين كان أحد الشباب يعرّف الزوار بتاريخ المكان بأسلوب هادئ وواثق، مقدمًا صورة صادقة تعكس ارتباطه بإرث وطنه واعتزازه به. وأدركت حينها أن الحفاظ على الهوية يبدأ من المواقف البسيطة التي يعبّر فيها الإنسان عن ثقافته بصدق ومسؤولية.
ويمتد هذا الدور إلى مناسبات وطنية ودولية مقبلة، ومنها استضافة المملكة لكأس العالم 2034، حيث سيكون الشباب في مقدمة من يستقبلون الزوار ويقدمون صورة تعكس قيم المجتمع، وتبرز ما تتميز به المملكة من أصالة، إلى جانب ما تشهده من تطور وانفتاح.
إن الحفاظ على الهوية في زمن التحول لا يتحقق بالشعارات أو بالانغلاق، وإنما بالاختيارات اليومية التي يصنعها الأفراد. فكل شاب يحرص على برّ والديه، ويعتز بلغته، ويتمسك بقيمه، ويطور مهاراته لخدمة مجتمعه، يسهم في ترسيخ هوية وطنه. قال تعالى: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا».
إن التوازن بين الماضي والمستقبل ضرورة لكل مجتمع يسعى إلى الاستمرار والازدهار. والشباب، بما يملكونه من وعي وطاقة، قادرون على أداء هذا الدور عندما يجمعون بين الاعتزاز بالجذور والاستعداد للمستقبل، فيتركون أثرًا إيجابيًا يمتد إلى الأجيال القادمة.



