وتزداد أهمية ذلك في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها الثورة الرقمية والانفتاح الإعلامي، الأمر الذي جعل الثقافة تواجه تحديات تتعلق بالمنافسة مع المحتوى السريع، والترفيه الاستهلاكي، الذي قد يفتقر أحيانًا إلى القيمة المعرفية. وهو ما يؤكد أهمية وجود إطار وطني تسهم فيه المؤسسات التعليمية والجمعيات المعنية بالشباب والمرأة والطفولة، لحماية الهوية الثقافية وتعزيز حضورها لدى الأجيال الجديدة، وتقديم البرامج والخدمات الثقافية بصيغ حديثة وجاذبة تتناسب مع اهتماماتهم وطموحاتهم.
وتبدأ هذه المهمة منذ المراحل الدراسية الأولى، عبر المناهج التعليمية التي تعرّف الطلاب بتاريخ وطنهم وتراثه وأدبه وفنونه، مما يساعد على بناء علاقة إيجابية بينهم وبين ثقافتهم الوطنية. فالطالب الذي يتعرف على الشعر والأدب والفنون والتراث الشعبي منذ صغره يكون أكثر قدرة على تقدير الموروث والمحافظة عليه. كما أن دمج الأنشطة الثقافية داخل البيئة التعليمية يمنح الطلاب فرصة للتفاعل المباشر معها بدلًا من تلقيها بصورة نظرية فقط، ويُعزَّز ذلك بتنظيم المسابقات الأدبية، والفعاليات المسرحية، ومعارض الفنون، وأندية القراءة، والاحتفاء بالمناسبات الثقافية الوطنية. فهذه البرامج لا تنمي المواهب فحسب، بل تجعل الثقافة نشاطًا ممتعًا وحاضرًا في حياة الطلاب، وتسهم في اكتشاف المبدعين في مجالات الكتابة والرسم والمسرح والإلقاء.
أما الجامعات فتتحمل مسؤولية أوسع في صناعة المشهد الثقافي، باعتبارها بيئات تضم آلاف الشباب الذين يمثلون مستقبل المجتمع. ومن خلال الندوات الفكرية، والمؤتمرات، والأنشطة الطلابية، والشراكات مع الجهات الثقافية، تستطيع الجامعات أن تخلق حراكًا ثقافيًا مستدامًا يثري الحياة العامة، إلى جانب دعم البحوث والدراسات المرتبطة بالتراث الوطني وتطويره بما يتناسب مع متطلبات العصر.
ومن الأدوات المهمة في تعزيز حضور الثقافة داخل البيئة التعليمية توظيف التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية، فالأجيال الحالية تتفاعل بصورة أكبر مع المحتوى المرئي والتفاعلي، مما يتطلب إنتاج مبادرات ثقافية مبتكرة تستثمر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الذكية والمنصات الإلكترونية. ويمكن أن يتم ذلك عبر المسابقات الرقمية، وتقديم محتوى ثقافي جاذب عبر القنوات الإلكترونية للوصول إلى شريحة أوسع من الطلاب، إلى جانب تعميق الشراكة بين المؤسسات التعليمية والجهات الثقافية، مثل بيوت الثقافة والمتاحف والجمعيات الثقافية، بما يتيح للطلاب التعرف على الإبداع الثقافي وممارسته، وتحويل المعرفة الثقافية من مواد تعليمية إلى تجارب حياتية متكاملة.
إن تعزيز حضور الثقافة ليس مسؤولية الجهات الثقافية وحدها، بل هو مشروع مجتمعي تشارك فيه الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، وسائر مؤسسات المجتمع. غير أن المؤسسات التعليمية تظل الحلقة الأهم؛ لأنها تتعامل مع الأجيال في مراحل التكوين الفكري والقيمي. وكلما نجحت في غرس حب المعرفة والإبداع، ازدادت قدرة المجتمع على إنتاج الأفكار والمبادرات التي تصنع مستقبله، خصوصًا في ظل اهتمام القيادة بالقطاع الثقافي بوصفه أحد محركات التنمية الوطنية ضمن رؤية المملكة 2030، وتمكين مؤسسات إعداد الأجيال من الإسهام في تحقيق مستهدفات الرؤية عبر إعداد جيل يعتز بهويته الوطنية، وينفتح في الوقت ذاته على الثقافات العالمية بروح واعية ومتوازنة.
وفي الختام، فإن الثقافة لا تزدهر بالشعارات وحدها، بل بالاستثمار في الإنسان منذ سنواته الأولى. وعندما تصبح المدرسة والجامعة بيئتين حاضنتين للثقافة والإبداع، فإن المجتمع بأكمله يجني ثمار ذلك وعيًا وانتماءً وتقدمًا. فالمؤسسات التعليمية ليست مجرد أماكن للتعلم، بل هي مصانع للوعي، ومنابر لصناعة المستقبل، وجسور تعبر من خلالها الثقافة إلى عقول الأجيال وقلوبهم.
@mesfer753



