لقد تغيرت الظروف، لكن بعض السلوكيات لم تتغير بالقدر الكافي؛ فما زال الصيد الجائر يستنزف الحياة الفطرية رغم وفرة البدائل، وما زال الاحتطاب يهدد الغطاء النباتي رغم انتشار وسائل التدفئة الحديثة، كما لا يزال البعض ينظر إلى المفترسات على أنها خطر، فتتعرض للقتل، في حين تؤكد الدراسات البيئية أنها من أهم عناصر التوازن الطبيعي. فهي تنظم أعداد الفرائس، وتحافظ على التنوع الحيوي، وتحد من الاختلالات التي قد تؤدي إلى تدهور الغطاء النباتي واستنزاف الموارد. وعندما تختفي هذه المفترسات يبدأ الخلل في النظام البيئي، فتتأثر النباتات والتربة والمياه وسلسلة الحياة، وقد لا تظهر آثاره إلا بعد سنوات طويلة.
كما أن الأشجار والشجيرات البرية لم تعد مجرد مصدر للحطب، بل أصبحت من أهم عناصر مكافحة التصحر، وحفظ التربة، وتعزيز التنوع الحيوي، وتحسين جودة الحياة من خلال امتصاص الملوثات وإطلاق الأكسجين. ولذلك، فإن المحافظة عليها لم تعد خياراً بيئياً فحسب، بل ضرورة تنموية واقتصادية واجتماعية.
وفي المملكة العربية السعودية أصبحت البيئة جزءاً من مشروع وطني متكامل يربط بين التنمية والاستدامة وجودة الحياة. وقد جسدت رؤية المملكة هذا التوجه من خلال مشاريع ومبادرات كبرى تؤكد أن حماية البيئة ركيزة من ركائز التنمية. ويبرز ذلك في المشروعات النوعية التي تعكس فهماً متقدماً للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، حيث تمثل مدينة «ذا لاين» نموذجاً لتقليل الأثر البيئي، وتجسد «حديقة الملك سلمان» التي ستصبح عند اكتمالها إحدى أكبر الحدائق الحضرية في العالم، بما يعزز مفهوم المدن التي تتنفس من خلال مساحاتها الخضراء وتنوعها البيئي، ويؤكد أن التنمية الحديثة لا تُقاس بحجم البناء فحسب، بل بجودة الحياة التي توفرها للإنسان.
إن تقدير العلم لا يكون بحفظ النظريات، بل بتحويل المعرفة إلى سلوك. فالعلم الذي كشف أهمية المفترسات، وأثبت قيمة الغطاء النباتي، وبيّن مخاطر الاستنزاف، يدعونا إلى مراجعة الممارسات التي كانت مبررة في زمن الحاجة، ولم تعد كذلك في زمن الوفرة والبدائل. واليوم لم يعد التحدي في امتلاك المعرفة، بل في القدرة على تغيير السلوك البيئي، وإدراك أن مكونات الحياة الفطرية، النباتية والحيوانية، تمثل أساساً لاستمرار التوازن الطبيعي وجودة حياة الإنسان. وهذا ما يعمل عليه الفريق المتخصص بالدراسات الاجتماعية والشراكة المجتمعية والتوعية والإعلام المؤسسي في المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية بالتعاون مع شركائه. فالمجتمع يدرك اليوم أن الشجاعة ليست في قتل كائن نادر، ولا في اقتلاع شجرة معمرة، ولا في الإضرار بالطبيعة، بل في حمايتها. فحماية البيئة ليست ترفاً فكرياً، وإنما مسؤولية حضارية ووطنية وأخلاقية تضمن استمرار التوازن الطبيعي، وتحفظ للأجيال القادمة حقها في بيئة سليمة ومستدامة. لقد كان الصيد يوماً وسيلة للبقاء، أما اليوم فإن حماية الحياة الفطرية هي الوسيلة الحقيقية للحفاظ على التوازن، وبقاء الإنسان نفسه.
@Mshayaa45



