فالعقل الباطن لا يتأثر بالكلمات وحدها، بل يتفاعل أيضًا مع الأنماط المتكررة من المشاعر والتجارب. وعندما تتحول الرغبة إلى هوس، يستنفر الجهاز العصبي كما لو كان في حالة مطاردة دائمة، فتزداد مشاعر القلق والتوتر، وقد يصبح الهدف في نظر صاحبه أبعد منالًا وأكثر صعوبة مما هو عليه في الواقع.
ولعل السر الأكبر في هذه الفكرة يكمن في قلب المعادلة؛ فبدلًا من أن يعيش الإنسان في هوية المطارد القلق، ينتقل إلى هوية الواثق الساعي، الذي اعتاد رؤية هدفه ممكنًا، وسعى إليه بهدوء واتزان. ويرى كثير من المختصين في علم النفس الإيجابي وتطوير الذات أن المحافظة على حالة من الرضا والابتهاج ليست حيلة دفاعية أو هروبًا من الواقع، بل وسيلة تساعد على تهدئة النفس، وتعزيز المرونة الذهنية، وتحسين القدرة على اتخاذ القرارات والعمل باستمرار.
ومن هذا المنطلق، لا يعود المستقبل مجرد زمن ننتظره، بل يصبح مشروعًا نبنيه من خلال ما نفعله اليوم. فالمشاعر الإيجابية، حين تقترن بالعمل والاجتهاد، قد تمنح الإنسان دافعًا أكبر للاستمرار، وتجعله أكثر قدرة على تجاوز الإحباطات ومواجهة العقبات. وعندما يتنفس المرء بروح الرضا، ويشعر بالامتنان لما بين يديه، يخف عنه عبء التعلق المفرط بالنتائج، ويهدأ ذلك الارتجاف الداخلي الناتج عن الخوف من الفشل أو عدم الوصول.
فإذا رغبت في عيش هذه الحالة، فتحرك في يومك بسكينة ويقين، واسأل نفسك: «كيف سأتصرف الآن لو كنت واثقًا من أنني أبذل أفضل ما أستطيع في سبيل هدفي؟» فهذا السؤال يعيد توجيه الانتباه إلى السلوك والعمل، ويخفف من التعلق المرهق بالنتائج، ويمنح العقل مساحة أوسع للتركيز بدلًا من الانشغال الدائم بـ»كيف» و»متى».
ولنتذكر دائمًا أن الغاية الأسمى من كثير من أهدافنا ليست المادة في ذاتها أو المظهر الخارجي، بل ما نتطلع إليه من مشاعر الأمان، والحرية، والسلام، والبهجة. وعندما يدرك الإنسان ذلك، يصبح أكثر قدرة على التعامل مع الحياة بوصفها رحلةً مليئة بالتجارب والتحديات، لا معركةً تستنزف روحه.
كما تساعد هذه النظرة على تحرير النفس من فوضى التوقعات والمقارنات، وإفساح المجال للعمل بهدوء، والثقة، وحسن الظن بالله، مع الأخذ بالأسباب وبذل الجهد. فليس النجاح ثمرة المشقة وحدها، ولا ثمرة الأمنيات المجردة، وإنما هو توفيق من الله، يسبقه سعي صادق، ونفس مطمئنة، وعقل حاضر.
ومتى ما استقر الإنسان في طمأنينة داخلية، وأيقن أن قيمته لا تتوقف على تحقق هدف بعينه، واستمر في السعي بما يستطيع، وجد نفسه أكثر قدرة على استقبال الفرص، والتعامل معها بحكمة واتزان، حتى يصبح تحقيق أهدافه ـ بإذن الله ـ أقرب مما كان يظن.
@LamaAlghalayini



