في زمنٍ كثرت فيه الكلمات التي تتحدث عن الوعي، أصبح من الضروري أن نسأل: هل نمارس الوعي، أم نكتفي باستعماله؟
ثمة وعيٌ يُستدعى كما تُستدعى الحاجة؛ حاضرٌ حين يكون الحديث عن أخطاء الآخرين، غائبٌ حين تقترب المراجعة من الذات. نراه شديد البصيرة في قراءة النوايا، واسع التأويل في تبرير أفعاله، دقيقًا في محاسبة الآخرين، رحيمًا جدًا حين يكون الأمر متعلقًا به..!!
ذلك هو الوعي تحت الطلب؛ وعيٌ لا تحكمه الحقيقة بقدر ما تحركه المصلحة النفسية؛ يفتح أبوابه لما يوافقه، ويغلق نوافذه حين تهبّ منها ريحٌ لا تعجبه..!!
والأشد غرابة أن الإنسان قد يقضي سنواتٍ في اكتساب المعرفة، ثم لا يمنحه منها إلا ما يحمي صورته أمام نفسه..!!
فالوعي ليس أن تعرف كثيرًا؛ بل أن تعرف متى تكون معرفتك ناقصة، وليس أن تمتلك إجابةً لكل سؤال، وإنما أن تمتلك شجاعة الوقوف أمام السؤال الذي يربك يقينك. وليس النضج أن تتمسك بموقفك حتى النهاية، بل أن تعرف متى يكون الثبات وفاءً للمبدأ، ومتى يتحول إلى عجزٍ عن الاعتراف..!!
أحيانًا لا نحتاج إلى معلومة جديدة بقدر ما نحتاج إلى مرآةٍ صادقة؛ مرآة لا تجاملنا، ولا تمنح أخطاءنا أسماءً أكثر أناقة مما تستحق. ففي داخل كل إنسان منطقةٌ يحاول أن يؤجل الوصول إليها؛ لأن الاقتراب منها يعني إعادة ترتيب شيءٍ في ذاته، وربما هدم فكرةٍ ظل سنواتٍ يبني عليها صورته عن نفسه..!!
وهنا تبدأ رحلة الوعي الحقيقية حين يستطيع الإنسان أن يقول: كنت مخطئًا، دون أن يشعر أن كرامته سقطت، وحين يستطيع أن يسمع رأيًا مخالفًا دون أن يراه تهديدًا، وحين يكتشف أن تغيير الفكرة ليس دائمًا تراجعًا، وأن الاعتذار ليس انكسارًا، وأن الصمت في بعض المواضع أرفع من انتصارٍ لفظي لا يضيف إلى الحقيقة شيئًا..!!
فالوعي الذي لا يمرّ على صاحبه أولًا، يظل معرفةً عن الآخرين. أما الوعي الذي ينفذ إلى الداخل، فيعيد تهذيب اللغة، وترتيب المواقف، وتنقية الأحكام، ويجعل الإنسان أقل استعجالًا في إدانة الآخرين، وأكثر صدقًا في مساءلة نفسه..!!
ولعل أجمل ما في الوعي أنه لا يجعلنا أكثر قسوةً على الناس، بل أكثر إنصافًا لهم؛ لأن من عرف تعقيد نفسه، أدرك أن البشر ليسوا صفحاتٍ بيضاء ولا سوداء، وأن وراء كل موقفٍ سياقًا، ووراء كل صمتٍ حكاية، ووراء كل خطأٍ إنسانًا لا تختصره عثرته..!!
لهذا، لا أظن أن السؤال الأهم هو: كم نحن واعون؟
بل: هل يبقى وعينا حاضرًا حين يصبح ضدّ رغبتنا؟
شمعة مضيئة:
الوعي الحقيقي لا يعمل بنظام الطلب؛ لا يحضر حين نحتاجه، ويغيب حين يحاصرنا... إنه ذلك النور الذي لا نطفئه حين يكشفنا، بل نقترب منه أكثر..»
@Sa_Alaseri



