في المقابل، استمر اقتصاديون آخرون في تبني السياسات الصناعية، ومن أبرزهم الاقتصادي الأمريكي ألبرت هرشمان -Albert Hirschman-، الذي دعا إلى التركيز على تنمية الصناعات ذات «الروابط الأمامية والخلفية» -Backward and Forward Linkages- للصناعات القائمة؛ لتنمية مزايا نسبية جديدة اعتمادًا على التكامل معها. كما تم التفريق في السياسات الصناعية بين «الأفقية»، التي تركز على تحسين البيئة الاستثمارية بشكل عام وترك تحديد القطاعات للقطاع الخاص، وبين السياسات الصناعية «العامودية”، التي تركز على تطوير قطاعات محددة.
كما نجد أن الاقتصادات الناشئة تبنت سياسات صناعية مختلفة، وأختصر الحديث عنها من خلال نموذجين. الأول هو نموذج جنوب شرق آسيا، بدءًا باليابان بإشراف وزارة التجارة الدولية والصناعة حينها -Ministry of International Trade and Industry “MITI”-، وكان نموذجًا يتبنى تطوير صناعات محددة موجهة للتصدير -Export-Led Industrialization-، وتبعتها في ذلك عدد من الدول، من أبرزها كوريا الجنوبية والصين. أما النموذج الثاني فهو سياسات إحلال الواردات -Import Substitution Industrialization ISI- في أمريكا اللاتينية، وكانت رائدته البرازيل، وتبعتها في ذلك معظم دول المنطقة. ولعل أبرز من تبنى هذا النموذج الاقتصادي الأرجنتيني راؤول بريبش -Raúl Prebisch-، وأول رئيس لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد». ونجد أن النموذج الثاني كانت نتائجه محدودة مقارنةً بنجاح الأول، وهو ما يؤكد الدور المحوري للتصدير في ضمان استدامة الصناعات من خلال منافستها في الأسواق العالمية.
أما على المستوى المحلي، فنجد صدور الوثيقة الرائدة «السياسة الصناعية في المملكة العربية السعودية»، التي أقرها مجلس الوزراء الموقر عام 1974م، وكانت أساس عمل صندوق التنمية الصناعية السعودي حين إنشائه. وكانت تسعى، عن طريق تحفيز الصناعة، إلى تنمية الناتج المحلي الإجمالي، وتنويع الاقتصاد، وتقوية مقاومته للصدمات والتقلبات الخارجية. ومن الأسس التي بُنيت عليها تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في الصناعة، إضافةً إلى السعي إلى إشراكه في المشاريع الحكومية الصناعية الكبيرة والهامة التي لا يستطيع القطاع الخاص القيام بها. كما أكدت على أهمية المنافسة وتشجيع التصدير لضمان جودة المنتجات والصناعات، والترحيب بالاستثمار الأجنبي.
تحدث اليوم مراجعة كبيرة للمواقف من السياسات الصناعية في الأدبيات الاقتصادية وعلى المستوى العملي. وبالطبع، لا يضمن تبني السياسات الصناعية بحد ذاته نجاح التنمية الاقتصادية، وإن بُنيت على أسس صحيحة، ولا بد لها من وجود تغذية راجعة، وتعلّم بالممارسة، والتوفيق من الله.
@AlQurtas



