كما قال المتنبي:
ذَريني أَنَلْ ما لا يُنالُ مِنَ العُلى فَصَعبُ العُلى في الصَعبِ وَالسَهلُ في السَهلِ
تُريدينَ لُقيانَ المَعالي رَخيصَةً وَلا بُدَّ دونَ الشَهدِ مِن إِبَرِ النَحلِ
وفي سيرة سيد الخلق -صلى الله عليه وآله وسلم- نجاحات سبقتها تضحيات، ومن ذلك أنه لما تمت بيعة العقبة الثانية بدأت جموع الصحابة بالتضحية بالمال والأرض من أجل العقيدة، وبدأوا يهاجرون إلى المدينة النبوية ويواجهون المصاعب بسبب ذلك، فلن يتركهم المشركون وهم يعلمون بذلك.
وكان من أول المهاجرين الصحابي الجليل أبو سلمة -رضي الله عنه-، هاجر مبكرًا ومعه زوجته وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم، فقالوا: لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم، فخلعوا يده، وذهبوا به، وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة.
وكانت أم سلمة -رضي الله عنها-، بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها، تخرج كل غداة إلى الأبطح تبكي حتى تمسي، ومضى على ذلك نحو سنة، فرقَّ لها أحد ذويها وقال: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرَّقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة، رحلة تبلغ حوالي خمسمائة كيلومتر، تمر بين شواهق الجبال ومهالك الأودية، وليس معها أحد من خلق الله.
حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وبعد أن عرف حالها شيَّعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر إلى قباء قال: زوجك في هذه القرية، فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة.
تضحيات يُتعجب منها، واليوم لا يُطلب منا أن نهاجر أو نفارق أهلنا، لكن يُطلب منا أن نضحي ببعض الراحة، وبشيء من الوقت، وبكثير من الكسل، إذا أردنا أن نصنع لأنفسنا نجاحًا حقيقيًا.
النجاح لا يطرق باب الكسالى، ولا يرافق الباحثين عن الطرق المختصرة، بل يسير مع أصحاب المبادئ الذين يصبرون على الطريق مهما طال.
[email protected]



