وحتى لو سافرت العائلة، فإن الرحلة تنتهي، في أغلب الأحوال، إلى سياحة فردية، فالأب يمارس سياحة المقهى لوحده، والابن يمارس سياحة السير على الأرصفة المكتظة بالسياح، والبنت تمارس سياحة الالتقاء بصديقاتها، والأم التي حاولت جاهدةً أن تجمع هؤلاء في برنامج يومي واحد، ضاقت ذرعًا، وبدأت تمارس سياحة التسوق؛ وهكذا.. انتهت السياحة العائلية منذ أن تسلمت العائلة الشقة الفندقية التي اختاروها في هذا البلد أو ذاك، وتحولت الرحلة إلى نموذج حي للسياحة الفردية، وبامتياز.
وفي مجتمعنا الخليجي نموذج فريد ومنتشر، وهو أن يأخذ الأب أسرته في رحلة سياحية قصيرة، ويسافر مرة أخرى «سنقل» في رحلة مع رفاقه أو زملاء العمل المقربين، وفي هذا تأكيد جديد على أن المنتصر دائمًا هو (السفر الفردي)، ويقول بعضهم إن السفر الفردي يكفل حرية أكبر، ومصاريف أقل، ومرونةً يصعب توفيرها في ضوء احتياجات الأسرة والطفل؛ لهذا تعلو أصوات كثيرة اليوم لصالح: كن «مع نفسك»، وهذا صوت عالمي المدى، وصل إلينا، واقتنع به الآلاف، ويتنافى مع إرثنا الثقافي، وفيه أن (الرفيق قبل الطريق)، وقول الشافعي:
«وسافرْ ففي الأسفار خمس فوائدِ،
تفرُّجُ همٍّ، واكتسابُ معيشةٍ،
وعلمٌ، وآدابٌ، وصحبةُ ماجدِ!»
ويبدو في زمننا هذا أن «ماجد»، شخصية من وحي خيال الكاتب، قد قرر أن يسافر لوحده هو الآخر، فقد اكتفى من صداع جدال الصباح حول أفضل ساعة للنهوض من النوم، وأحسن خيارات الإفطار، وأرقى مواقع الغداء، وأنسب قوائم طعام العشاء؛ كما طابت نفسه من الفوز بمعركة إثبات الدلائل على أرخص سوق لشراء العلامات التجارية الفارهة، وأن مقهىً يبعد مسيرة يوم عن الفندق أفضل من مقهى يبعد أمتارًا فقط من ردهة الفندق؛ كما أن الأخ ماجد يضطر، في نهاية المطاف، إلى تجربة الإفطار بتناول طبق الروكا، وهو في واقع الأمر جرجير، لكن بربطة عنق.
[email protected]



