وعند استحضار بعض أحداث الهجرة النبوية، نجد أن مشركي قريش وضعوا خطة لمحاصرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وحددوا أدوار المشاركين فيها، وانتظروا تنفيذها وفق الترتيبات التي وضعوها. إلا أن الأحداث سارت على نحو مختلف؛ إذ خرج النبي - صلى الله عليه وسلم -، من بيته قبل أن يتمكنوا من تنفيذ ما خططوا له، واتجه مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- إلى غار ثور.
وبقي رجال قريش في مواقعهم ينتظرون تنفيذ الخطة، بينما كان الهدف الذي وضعوا الخطة من أجله قد غادر المكان بالفعل.
وفي هذا الحدث التاريخي يمكن أن نجد صورة واضحة لفكرة إدارية مهمة: قد تكون الخطة محكمة من حيث إعدادها، وقد توزع المسؤوليات بدقة، وتحدد الأوقات والأدوار، ويكون الجميع مستعدين للتنفيذ، لكن تغير الواقع قد يجعل الخطة نفسها غير صالحة لتحقيق الهدف الذي وضعت من أجله.
وهنا تكمن إحدى المشكلات الإدارية المهمة؛ فنجاح الخطة لا يقاس فقط بمدى الالتزام بتنفيذ بنودها، وإنما بقدرتها المستمرة على التعامل مع الواقع وتحقيق أهدافها.
في الإدارة، لا يكفي أن تسأل فريقك: هل نفذنا الخطة؟ بل من المهم أن تسأل قبل ذلك: هل ما زالت الخطة صالحة؟ وهل الواقع الذي بنيت عليه ما زال قائمًا؟ وهل ما زالت الأهداف والأولويات والوسائل مناسبة للمرحلة الحالية؟
فقد يجتمع فريق كامل، وتوزع المهام بدقة، وتحدد ساعة التنفيذ، ويبقى الجميع في مواقعهم، بينما يكون الواقع قد تغير، ويكون الهدف قد انتقل إلى مكان آخر.
إن مراجعة الخطط ليست اعترافًا بالفشل، بل ممارسة إدارية ضرورية. فالخطة الجيدة ليست التي نتمسك بها مهما تغيرت الظروف، وإنما التي نمتلك الشجاعة والمرونة لمراجعتها وتعديلها عندما يتغير الواقع.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في أن الفريق لم ينفذ الخطة، بل في أنه ظل يحرس خطة انتهت صلاحيتها.
[email protected]



