تخيّل موظفاً يجلس في اجتماع، يرى خللاً واضحاً في توجهٍ ما، ويدرك بحكم خبرته أن هناك طريقاً أفضل، لكنه يختار الصمت. في تلك اللحظة لا تخسر المؤسسة رأياً لم يُقل فحسب، بل تخسر فرصة للتعلّم والتصحيح قبل وقوع الخطأ. فحين يصمت العاملون، تفقد المؤسسات جزءاً من قدرتها على النمو والتطور.
ويخطئ من يعتقد أن الصمت التنظيمي مجرد غياب للكلام؛ فهو نتيجة ثقافة تتشكل تدريجياً عندما يشعر الفرد أن التعبير بلا أثر، أو أن الاختلاف قد يحمل تكلفة. عندها يتحول الموظف من شريك يفكر ويقترح إلى منفذ يكتفي بما يُطلب منه. والخسارة هنا لا تقتصر على المؤسسة وحدها؛ فالصمت المستمر يترك أثره داخل الإنسان نفسه، حين يشعر أن خبرته لا تجد مساحة، وأن رأيه لا يحمل قيمة، فيبدأ بالانسحاب النفسي قبل المغادرة الفعلية. يقلّ الحماس، وتتراجع المبادرة، ويتحول العمل من مساحة للإبداع والمشاركة إلى مجرد أداء للمهام.
وكثيراً ما تصنع بعض الإدارات هذه الثقافة دون قصد، عندما تفسّر قلة الاعتراض بأنها رضا، أو هدوء الاجتماعات بأنه انسجام، بينما قد يكون ذلك الهدوء إشارة إلى أن العاملين توقفوا عن المحاولة.
وخلف كل مؤسسة ناجحة ثروة لا تظهر في القوائم ولا تُقاس بالأرقام أو بما تملكه من أنظمة وأدوات، بل بقدرتها على تحرير المعرفة الموجودة داخل عقول أفرادها. فالابتكار لا ينمو في بيئة تخشى السؤال، والتطوير لا يبدأ إلا حين يشعر الإنسان أن صوته جزء من صناعة المستقبل.
ختاما: إن المؤسسات الحيّة ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل التي تسمح باكتشافها مبكراً، وتشرك العاملين في اتخاذ القرار. وفي النهاية، المؤسسة ليست مباني ولا هياكل تنظيمية؛ بل هي البشر الذين يفكرون داخلها.
[email protected]



