غير أن الحقيقة، وبعيدًا عن أي تنظير، أني سبق أن وقفت مع نفسي طويلًا أمام هذا الأمر، محاولًا أن أرى فيه جانبًا مضيئًا لا مظلمًا كما يبدو للوهلة الأولى. فكونك تُطلب منك الحاجات، فهذا في حد ذاته دليل على نعمة الله عليك، إذ جعلك في موضع يُقصد ويُرجى، ولو لم يكن لديك ما يُفيد الآخرين لما اتجهوا إليك من الأساس.
وثانيًا، أن الله قد سخّرك لأن تكون سببًا في تفريج كربة أو قضاء حاجة، ولا تعلم ما يُكتب لك من أجر عظيم في ذلك. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة».
وقال - صلى الله عليه وسلم -: أيضًا:
«لأن أمشي مع أخٍ لي في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا» - يعني مسجد المدينة.
فتأملوا كيف أن ما قد نراه نحن مزعجًا أو ثقيلًا في بعض الأحيان، قد يكون عند الله عظيم الأجر، يصل إلى تفريج كربات يوم القيامة، بل ويُقدَّم على عبادة عظيمة كاعتكاف شهر في المسجد النبوي. وليس شرطًا أن يكون التنفيذ دائمًا ممكنًا، لكن مجرد السعي والنية له أثره.
ولأنني عاشق ومتيم بالشعر العربي الفصيح، استوقفني ما قاله الإمام الشافعي -رحمه الله-، حيث أضاء جانبًا مشرقًا لهذا المعنى:
“أفضَلُ الناسِ ما بينَ الورى رجلٌ .. تُقضى على يدهِ للناسِ حاجاتُ
لا تمنعنَّ يدَ المعروفِ عن أحدٍ .. ما دمتَ مقتدرًا فالسعدُ تاراتُ
واشكر فضائلَ صنعِ الله إذ جُعلتْ .. إليكَ لا لكَ عند الناسِ حاجاتُ
قد مات قومٌ وما ماتت فضائلُهم .. وعاش قومٌ وهم في الناس أمواتُ”
وحتى ألقاكم الأسبوع المقبل، أودعكم قائلاً:
«النيات الطيبة لا تخسر أبدًا».
في أمان الله.
[email protected]



