الاعتذار كحكيمٍ يجوب البلدان، يحاول إصلاح ما تدمره العواصف، ويعيد من تشردوا إلى أوطانهم، فيمد لهم يد العون ويُعيد المياه إلى مجاريها. وهكذا في ديار الصداقة، وجد الأصدقاء أنفسهم في دائرة فراقٍ مترامية الأطراف، حيث يعيش كل فرد وحيدًا أو مع أصدقاء آخرين. ولاحظ الاعتذار من نظراتهم أنهم يفتقدون الأمان؛ فعندما تُكشف الأسرار بين الأصدقاء تحت مظلة الأمان، فإن افتراقهم قد يجعلها عرضةً للانتشار.
الأمان هو أول من هرب من إعصار الفتنة؛ فطبيعته الهشّة تجعله سريع التأثر بالمخاطر. فالحديث عن الأسرار بين الأصدقاء يفترض وجود ثقة تحفظها، لكنها عند اختفاء الأمان تصبح حديثًا متداولًا بين الناس. وهذا ما حدث في تداعيات إعصار الفتنة؛ حيث انتشرت بعض الأسرار بين الأصدقاء، ورغم الفوضى بقيت بعض الأسرار محفوظة في طي الكتمان.
خلال محاولات الإصلاح، استعد بعض الأصدقاء لبدء صفحة جديدة، وبعد رحلة طويلة التقى الاعتذار بالأمان مجددًا مع الأصدقاء، لكنه لم يعد كما كان؛ فقد تركت التجارب بصماتها عليه، فأصبح أكثر حذرًا ونظرةً فاحصة. فالثوب الممزق لا يعود كما كان حتى لو رُقّع من كل جانب. وهنا انقسم الأصدقاء، فبعد انتشار الأسرار وتحولها إلى حديث متداول، بقي السؤال: هل يمكن أن تعود الصداقة كما كانت؟
البقاء في البراري كان إجابة الأمان التي صدمت البعض؛ فلا بد من اختبار الأصدقاء في السراء والضراء، ومنحهم الثقة بعد التأكد من صدق نواياهم. وحتى لو عاد الإعصار وعاد الاعتذار، فإن للأمان موطنًا في البراري، حيث تتشكل دروس الحياة من واقع التجربة.
وبقي الأمان في البراري حيث موطنه، وبقي الأصدقاء الحقيقيون برفقته، بعد أن قبلوا شروطه.
[email protected]



