هذه الصورة البسيطة تختصر جانبًا كبيرًا من سلوكنا الإنساني، وهي ما أحب أن أسميه: نظرية كب كيك.
تقول هذه النظرية إن الإنسان لا يستهلك الأشياء فقط، بل يستهلك مشاعره تجاهها أيضًا. فالجديد يثيرنا، والمختلف يجذبنا، والمجهول يغرينا، لكننا في كثير من الأحيان نسرع في تحويل الانبهار إلى توقعات، والتوقعات إلى مطالب، ثم نندهش عندما يتراجع بريق التجربة.
المشكلة ليست في الكب كيك، ولا في الصورة اللطيفة، ولا حتى في الأشياء الجميلة التي نلتقيها في حياتنا؛ المشكلة غالبًا في المسافة القصيرة جدًا بين الإعجاب والتوقع.
منذ اللحظة الأولى نبدأ في بناء تصورات ضخمة. نرى فرصة وظيفية فنتخيل مستقبلًا مهنيًا استثنائيًا، ونتعرف إلى شخص فنرسم في أذهاننا ملامح علاقة مثالية، ونبدأ مشروعًا جديدًا فنعيش نجاحه قبل أن ننجز أولى خطواته.
إننا لا نمنح الأشياء فرصة لأن تُعرّفنا بنفسها، بل نسبقها بتعريفاتنا الخاصة. وفي علم النفس يُعرف ذلك جزئيًا بما يسمى «تأثير التوقعات المسبقة»، حيث يصبح الإنسان أكثر تعلقًا بالصورة الذهنية التي صنعها من تعلقه بالحقيقة نفسها. وحين تأتي الحقيقة أقل من تلك الصورة، يشعر بخيبة أمل، رغم أن الواقع لم يتغير، بل إن التوقع هو الذي ارتفع أكثر من اللازم.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أننا ندرك هذه القاعدة جيدًا في العمل. فعندما ينضم موظف جديد إلى المؤسسة، نطالبه بالتدرج، ونحدثه عن مرحلة التهيئة، وعن ضرورة التعلم قبل الإنجاز، وعن أهمية اكتساب الخبرة خطوة بخطوة. ولا نتوقع منه أن يصبح قائدًا في أسبوع أو خبيرًا في شهر.
لكننا ننسى ذلك تمامًا عندما يتعلق الأمر بحياتنا الشخصية. نريد علاقات تنضج بسرعة، ونجاحات تتحقق بسرعة، ومشاعر تستقر بسرعة، ونتائج تأتي أسرع مما تسمح به طبيعة الحياة، ثم نشتكي من خيبة الأمل.
في الحقيقة، ليست كل خيبة أمل دليلًا على سوء الواقع، بل قد تكون دليلًا على تضخم التوقعات. إن كثيرًا مما نفقد شغفنا تجاهه لم يفقد جماله، وإنما فقد عنصر الدهشة فقط. اعتدناه فأصبح جزءًا من المشهد اليومي. وهذا ما يسميه علماء السلوك «التكيف الاعتيادي»، حيث تنخفض استجابتنا العاطفية للأشياء مع استمرار وجودها، مهما كانت قيمتها. ولهذا نجد أن الإنسان قد يحلم بشيء سنوات طويلة، ثم بعد حصوله عليه بفترة قصيرة يتعامل معه وكأنه أمر عادي. وليس ذلك جحودًا، بل طبيعة بشرية.
ومن هنا تأتي الحكمة التي تقدمها لنا «نظرية كب كيك»: أن نتعلم التمهل أمام الأشياء الجميلة، وألا نحمل البدايات أكثر مما تحتمل، وألا نحول الإعجاب إلى توقعات ضخمة قبل أن نعيش التجربة على حقيقتها. فالواقع ليس مسؤولًا عن كل خيباتنا، وبعض أحلامنا لا تنكسر لأن الطريق صعب، بل لأنها ارتفعت مبكرًا أكثر مما ينبغي.
إن أجمل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا ليس أن نبحث دائمًا عن «كب كيك» جديد، بل أن نتعلم كيف نستمتع بما بين أيدينا قبل أن تلتهمه العادة، وقبل أن تختفي ملامح الدهشة مرة أخرى.
خاتمة:
«المشكلة ليست أن الجمال يختفي، بل أننا نعتاد وجوده. وليست كل خيبة أمل نتيجة واقع سيئ، بل قد تكون نتيجة توقع سبق الواقع بمسافات طويلة.»
[email protected]



