شمل البرنامج زيارات إلى عدد من الشركات التقنية الرائدة، ومحاضرات في جامعة ستانفورد، بالإضافة إلى لقاءات مع بعض رواد الأعمال والذين يعملون في مجالات تقنية متخصصة. قرأت وسمعت فيما سبق عن نجاح نموذج وادي السيليكون، وهو مثال لا شك في شهرته، بل نجد الكثير من المناطق المخصصة للتنمية التقنية تسمي نفسها «وادياً»، وهذا من أهم الدلالات على اعتباره بشكل واسع نموذجاً ناجحاً ومحاولات استنساخه.
لعل الشرارة الأولى لنشوء الوادي كانت إنشاء شركة هيوليت باكارد -Hewlett Packard “HP”- الشهيرة في كراج أحد المنازل في عام 1939م، وهو النموذج الذي تكرر لاحقاً مع شركتي أبل وجوجل وغيرهما، مما أدى لشيوع مصطلح «الكراج» لريادة الأعمال والابتكار واحتضان الشركات الناشئة. بينما تؤرخ بداية الوادي الفعلية عادةً بإنشاء ويليام شوكلي -William Shockley- شركة «شوكلي لأشباه الموصلات» -Shockley Semiconductor Laboratories- في عام 1955م، وحاز في عام 1956م على جائزة نوبل في الفيزياء بالاشتراك مع آخرين لاختراعهم الترانزستور. وخرج منها فيما بعد 8 مهندسين سماهم مؤسس الشركة بـ»الخونة الثمانية» - Traitorous Eight- وأسسوا شركة “فيرتشايلد لأشباه الموصلات” -Fairchild Semiconductor- في عام 1957م، ثم خرج منها جوردون مور -Gordon Moore- وروبرت نويس -Robert Noyce- وأسسا بدورهما شركة إنتل -Intel- الشهيرة في عام 1968م. وأصبحت شركة فيرتشايلد بمثابة الشركة الأم لشركات الوادي، ونُشر عدد من المقالات والأبحاث عن ذلك، ومنها ما يُنسب له عادةً إطلاق المسمى الشهير، وهي سلسلة مقالات «وادي السيليكون» -Silicon Valley U.S.A.- في عام 1971م للصحفي دون هوفلر -Don C. Hoefler-.
مع ردة الفعل الأولية القاسية ضد هذه الانقسامات المتتالية، إلا أنها أدت إلى انتعاش الوادي ككل عن طريق المنافسة. وأصبح عدم الاعتراف في ولاية كاليفورنيا باشتراطات «عدم المنافسة» في عقود التوظيف ميزة حيوية للوادي، لأن الكل يستفيد من تطوير رأس المال البشري. ومع وجود جامعتين متميزتين - خاصةً في التخصصات الهندسية والتقنية- وهما جامعتي ستانفورد -Stanford University- في وادي السيليكون وجامعة بيركلي -University of California, Berkeley- بالقرب منه، نجد أن التكامل بين هذه الشركات التقنية والجامعات أصبح مميزاً، وشكل العديد من المشاريع البحثية داخل هذه الجامعات اللبنات الأساسية لشركات تقنية عملاقة مثل جوجل وسيسكو. إضافةً إلى الدور الحكومي بشقيه العسكري والمدني في دعم الأبحاث في هذه الجامعات والمؤسسات البحثية في الوادي.
وبالحديث عن دور جامعة ستانفورد المحوري، لعل من المناسب أن أتطرق لتاريخها، فقد أنشأها ليلاند ستانفورد -Leland Stanford- أحد رواد الصناعة في أمريكا في القرن التاسع عشر الميلادي، أو ما يطلق عليهم «البارونات اللصوص». وكثير منهم - كما ذكرت في مقال سابق- توجهوا للعمل الخيري بعد جمع ثرواتهم، وسعى هو لإنشاء مشروع خيري لتخليد ذكرى ابنه الذي توفي طفلاً. ويبدو أنه استشار رئيس جامعة هارفارد في إنشاء جامعة في بالو ألتو (تنتشر قصص على الإنترنت عن رفض جامعة هارفارد لتبرعه لهم لكنها لا تثبت)، وأوقف 20 مليون دولار لتأسيس الجامعة. وعند إنشائها في عام 1891م كانت هويتها مختلفة عن جامعات النخبة الأمريكية في الساحل الشرقي «التي تعود جذورها إلى التخصصات الأدبية والفلسفية»، بتركيزها على التخصصات الهندسية والتقنية واحتياجات سوق العمل مع كونها جامعة بحثية شاملة.
وحتى من الناحية المعمارية كانت هويتها مختلفة، حيث وضع الخطة العامة للتصميم الجميل والمفتوح للجامعة المعماري المسؤول عن تصميم المنتزه الرئيسي في مدينة نيويورك. نجحت الجامعة في تحقيق هدفها للريادة التقنية والهندسية، بل وتجاوزته حيث أصبحت من الجامعات المرموقة عالمياً وتلقب أحياناً بـ»هارفارد الغرب».
@AlQurtas



