لقد نجحت المملكة في بناء وإدارة منظومة رقمية وميدانية متقدمة تُعنى بـ»سلامة الحج التغذوي»، تبدأ من التدقيق الاستباقي على سلاسل الإمداد ومنافذ الاستيراد، وتصل إلى الرقابة في المشاعر، وتتوج بالتوعية التغذوية بلغات متعددة وبأساليب متنوعة. ويعمل في هذا الميدان تناغم حكومي متميز تقوده جهات عدة، أبرزها: الهيئة العامة للغذاء والدواء، ووزارة الصحة، ووزارة البيئة والمياه والزراعة، ووزارة البلديات والإسكان، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، ضمن نموذج تنسيقي يستهدف تقليل حالات التسمم، وحماية صحة الإنسان كأولوية قبل وأثناء أداء المناسك.
وتؤدي الهيئة العامة للغذاء والدواء أدوارًا تنظيمية وتنفيذية عبر حملات رقابية تشمل المصانع والمستودعات ومنافذ البيع ومراكز الإعاشة والطهي المركزي في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة. ويمتد هذا العمل إلى توظيف مختبرات متنقلة وتقنيات تحليل سريعة تعتمد على الذكاء الاصطناعي للكشف عن الملوثات، وضمان مطابقة الوجبات والمعلبات الموردة للمعايير والمواصفات القياسية المحلية والدولية.
وفي إطار التخطيط التشغيلي، يعمل مركز عمليات الحج التابع للهيئة على مدار الساعة عبر أنظمة تتبع ذكية لمراقبة برادات نقل الأغذية وقياس درجات حرارتها، والتنسيق مع الفرق الميدانية، واشتراط وجود متخصصين في التغذية ضمن حملات الحج. كما تشمل الإجراءات تنفيذ خطط وتجارب ميدانية بالتعاون مع القطاعات الصحية لرفع الجاهزية للتعامل مع أي طارئ.
ومن منطلق أن الوقاية خير من العلاج، تتكامل المنظومة التوعوية لتقديم دليل إرشادي سلوكي للحاج، يهدف إلى رفع وعيه بسلامته التغذوية، خاصة في ظل تحديات الطقس وارتفاع درجات الحرارة. وتتركز الرسائل التوعوية الرسمية في توجيه الحجاج نحو اتباع السلوكيات الصحية التالية:
• الحرص على شرب المياه المعبأة بانتظام لتفادي الجفاف والإجهاد الحراري، وتجنب المشروبات مجهولة المصدر.
• الامتناع عن الشراء من الباعة الجائلين، والاعتماد على الوجبات الآمنة والمغلفة والمقدمة من الجهات المرخصة.
• عدم حفظ الأغذية سريعة التلف مثل اللحوم والألبان والوجبات المطهية لأكثر من ساعتين دون تبريد.
• توفير مسارات توعوية ووجبات مخصصة لمرضى السكري والضغط وكبار السن لضبط مستويات الطاقة أثناء التنقل.
ولأن التنظيم يتطلب إطارًا تشريعيًا واضحًا، يبرز التميز في التطبيق التدريجي للأنظمة بحق المخالفين، حيث تُفرض غرامات مالية وإجراءات إغلاق للمنشآت غير المرخصة، حمايةً للصحة العامة وسدًا لأي ثغرة قد تؤثر على سلامة الحجاج.
إن النجاح الباهر للمملكة في إدارة سلامة الحج التغذوي وتحقيق الموثوقية العالية لم يكن يومًا وليد الصدفة، بل هو ثمرة رؤية وطنية طموحة واستراتيجيات علمية راسخة، ويقين ثابت لدى أبناء هذا الوطن بأن خدمة ضيوف الرحمن شرف ومسؤولية. وبذلك، تظل تجربة السعودية التنظيمية في الحج منارة عالمية يُحتذى بها في الموازنة بين الإدارة الصحية واللوجستية والإنسانية في أكبر تجمع بشري سنوي على وجه الأرض.
حفظ الله الحجاج وتقبل حجهم، ووفق ولاة الأمر والعاملين لما فيه سلامة وتوفيق الحجاج وعودتهم إلى أهلهم وذويهم مكملين نسكهم، فرحين عند لقاء ربهم.
أكاديمي بجامعة الملك سعود
[email protected]


