شيء يجعل الإنسان يشعر بأنه «مرئي» فعلًا.
هذا الشيء يُسمى: المصادقة.
والمصادقة ببساطة.. هي أن تجعل الشخص يشعر أن مشاعره مفهومة ومقبولة.
ليس بالضرورة أن توافقه في كل شيء، لكنك تُشعره أن ما يمر به حقيقي وله معنى.
فبدل أن تقول له: «أنت تبالغ»، تقول: «أتفهم لماذا شعرت بهذا.» وبدل أن تقلل من تعبه، تعترف بما مرّ به وتُقدّر إحساسه.
عرفت هذا المصطلح من قراءتي لكتاب «متحدث، قائد، بطل» والذي تحدث عنه بطل التوستماستر العالمي لعام 2005 لانس ميلر، حين روى قصة غيّرت نظرته للحياة والتواصل مع الناس.
كان يتحدث عن موقف بسيط في ظاهره، لكنه عميق في أثره.
حين كان طفلًا، شارك في مسابقة صغيرة، وبعد انتهائه جاءه أحدهم وقال له كلمات لم تكن مجرد “مديح”، بل كانت اعترافًا حقيقيًا بقيمته، وبما يشعر به، وبأنه شخص يستحق أن يُرى ويُسمع.
تلك اللحظة بقيت عالقة في ذاكرته لسنوات طويلة.
لأن الإنسان لا يبحث دائمًا عن الثناء..
بل يبحث عمّن يفهمه.
الفرق كبير بين أن تقول لشخص: «أنت رائع»
وبين أن تقول: «أعرف كم تعبت للوصول إلى هذه المرحلة، وأقدّر ذلك»
الأولى مجاملة.
أما الثانية.. فهي مصادقة.
المصادقة ليست تلميعًا للناس، وليست نفاقًا اجتماعيًا، وليست كلمات تُقال لكسب القبول.
المصادقة هي أن يشعر الإنسان أن مشاعره مفهومة، وأن تعبه مُقدَّر، وأنه ليس غير مرئي للآخرين.
كم شخصًا حولنا لا يحتاج حلولًا، بقدر حاجته لشخص يقول له: «أفهمك»وكم إنسان تغيّر يومه بالكامل بسبب كلمة صادقة شعر فيها أنه غير مُهمَل.
بعض الناس يظنون أن القوة في إعطاء النصائح دائمًا، بينما الحقيقة أن أعظم ما قد تقدمه أحيانًا.. هو الاحتواء.
أن تستمع دون تقليل، وأن تتفهّم دون إصدار أحكام.
هذه هي المصادقة الإنسانية الحقيقية.
في العلاقات، في الأسرة، في الصداقة، وحتى في بيئة العمل.. الناس ينسون أغلب الحديث، لكنهم لا ينسون أبدًا شعورهم معك.
لا ينسون الشخص الذي جعلهم يشعرون أن ما بداخلهم طبيعي، ولا ينسون من خفف عنهم ثقل الحياة فقط لأنه أنصت بصدق.
ولذلك، فالمصادقة ليست مهارة تواصل فقط.. بل أسلوب حياة راقٍ جدًا.
حين تقول لطفلك: «أعرف أنك حزين، ومن حقك أن تشعر بذلك» أنت لا تدلله.. أنت تبني داخله أمانًا نفسيًا.
وحين تقول لصديقك: «ما فعلته كان صعبًا فعلًا»، أنت لا تبرر له... أنت تمنحه شعورًا بأنه ليس وحده.
وحين تستمع لإنسان يتحدث عن ألمه دون أن تسابقه بالنصائح.. أنت تمنحه شيئًا قد يكون أعظم من الحل نفسه.
نحن نعيش في زمنٍ يكثر فيه الكلام.. ويقل فيه الفهم.
ولهذا أصبحت المصادقة نادرة.
نادرة لدرجة أن البعض يبكي فقط لأن أحدًا أخيرًا فهمه دون أن يحاكمه.
ومضة:
ليست كل كلمة لطيفة مجاملة.
بعض الكلمات دواء ونجاة.
[email protected]


