كان «أبو سالم» - شخصية خيالية رمزية- رجلًا ناجحًا، على الأقل هذا ما يقوله رصيده البنكي كل صباح. يستيقظ على الأرقام وينام عليها، ويعيش بين صفقات واجتماعات حتى أصبحت حياته جدولًا بلا حياة.
كان يردد بثقة: الرجال يُقاسون بما يملكون، وكان يملك الكثير؛ عمارة هنا، وأرض هناك، واسم يفتح له الأبواب. لكنه لم ينتبه أن هناك بابًا واحدًا ظل مغلقًا، باب بيته.
في ذلك البيت، كبر الأبناء بصمت، وتباعدت المشاعر بهدوء، بينما كان يدخل كضيف عابر، يسلم بسرعة ويغيب بسرعة، كما تختفي الأرقام من شاشة إذا انطفأت.
ومع مرور الوقت، كبر المال وكبر معه شيء لم يحسب له حساب.. المسافة.
في يوم عادي، قرر «أبو سالم» أن يزور بيته بوعي مختلف. جلس، ونظر حوله؛ كل شيء في مكانه، إلا الروح. أبناء منشغلون بهواتفهم، وحوار بارد لا يشبه الدفء الذي كان يتخيله.
قال بصوت فيه شيء من الانكسار: «أنا تعبت علشانكم». فجاء الرد باردًا: «واحنا تعودنا تعيش بدوننا». لم يكن الصمت لغياب الإجابة، بل لغياب المعنى.
بحث في داخله فلم يجد إلا عقودًا وأرقامًا ومواعيد مؤجلة. لا لحظة حقيقية، ولا ذكرى حاضرة.
في تلك اللحظة، فهم متأخرًا أن الفخر لم يعد بما تملك فقط، بل بما تتركه من أثر، وبما تبنيه من معنى داخل من تحب. وأن المال، مهما كثر، يبقى عابرًا، بينما الأثر هو الباقي.
عاد في اليوم التالي ينظر إلى أملاكه بفخر باهت، ثم إلى بيته بصمت ثقيل. وأدرك أن كل ما يمكن بيعه قد يُستبدل، إلا ما كان يجب أن يُزرع في القلوب.
ختامًا..
هناك من يورّث مالًا، وهناك من يورّث معنى. المال قد يرفع اسمًا ثم يُسقطه، أما الإنسان الذي نصنعه فهو الاسم الذي يبقى.
ليست الخسارة أن ترحل وتترك مالًا، بل أن ترحل ولا تترك أثرًا.
حينها لن يُسأل: كم كنت تملك؟ بل: ماذا أبقيت بعدك؟
[email protected]


