لكن الواقع أحياناً يصطدم بمشهدٍ مغاير؛ محاور يتقدم الشاشة دون التفاتٍ لجوهر المناسبة، ليدير دفة الحوار بعيداً عن لُبّ التخصص ومكامن القوة لدى الضيف. في تلك اللحظة، لا يخسر الضيف وحده صورته العلمية، بل تفقد المنصة الإعلامية مصداقيتها، ويخرج المشاهد بحكمٍ قاسٍ يُحمّل المتخصص وزر ذنبٍ لم يقترفه، بينما الخلل الحقيقي يكمن في «هندسة الحوار» وإدارته.
إن المهنية الإعلامية في بعض البرامج الحوارية المتخصصة ليست ترفاً أو استعراضاً، بل هي شرط رئيس لنجاح الرسالة وضمان وصولها. فالمحاور المحترف ليس مجرد ناقل لأسئلة مكتوبة على ورق، بل هو صانع لمسار المعرفة. وتتجلى قيمة المحاور في قدرته على القراءة المسبقة، وفهم سياق الحدث، وبناء شبكة أسئلة متدرجة تنتقل بالمشاهد من عتبة التمهيد إلى عمق التخصص.
وعندما يغيب هذا الدور في بعض البرامج الحوارية، يتحول الحوار إلى حالة من التشتيت غير المنظم: أسئلة فضفاضة، قفز غير مبرر بين المحاور، أو تكلف لا يخدم جوهر الموضوع.
ولإعادة بناء الثقة بين الجمهور وبعض البرامج الحوارية، وترقية جودة المحتوى الحواري، ثمة سبع ركائز أساسية تمثل ميثاق عمل وضبط للمهنية الإعلامية:
• الإعداد العميق: عبر قراءة دقيقة لسيرة الضيف، وأبرز أبحاثه أو تجاربه الميدانية، وفهم المصطلحات الأساسية في تخصصه. ليس مطلوباً من المحاور أن يكون نظيراً للخبير، ولكن يجب أن يكون واعياً ومدركاً للحدود الدنيا للموضوع.
• هندسة تراتبية للأسئلة: بحيث ينتقل الحوار بسلاسة من العام إلى الخاص، ومن التعريف النظري إلى التطبيق الواقعي.
• ضبط الإيقاع وإدارة الوقت: من خلال منح الضيف مساحة كافية لعرض فكرته دون إطالة مملة، مع التدخل الذكي لإعادة مسار الحوار عند الحاجة، أو تبسيط الأفكار المعقدة.
• إجادة اللغة المشتركة: عبر تمكين المذيع من ترجمة المصطلحات العلمية المعقدة إلى أمثلة حياتية وتشبيهات قريبة من واقع الناس، حتى لا يشعر المشاهد بـ»اغتراب معرفي» يدفعه إلى فقدان التركيز أو تغيير القناة.
• الإنصات الفعّال: وهو توليد الأسئلة من رحم إجابات الضيف، فالمحاور الحاذق يلتقط خيطاً دقيقاً في حديث الخبير ويبني عليه سؤالاً أعمق، بدلاً من الاكتفاء بأسئلة جاهزة منفصلة عن سياق الحوار.
• التناغم مع غرفة الدعم التحريري والإنتاجي: فالبرامج الناجحة هي نتاج عمل جماعي، حيث يرفد فريق الإعداد المحاور بملف معلوماتي متكامل، ويعمل المخرج على ضبط الإيقاع البصري، مدعوماً بمواد إنتاجية كالأرقام والرسوم البيانية والتقارير القصيرة التي تعزز الفهم وتكسر رتابة الحوار.
• الحياد الفكري والاحترام المهني: بما يضمن تجنب أساليب الاستفزاز غير المبرر أو البحث عن الإثارة الإعلامية السريعة، والتركيز على تقديم المعرفة بموضوعية، والتعامل مع الضيف كشريك في إنتاج المعرفة لا كطرف في مواجهة إعلامية.
لقد حان الوقت لتدرك بعض البرامج الحوارية أن جودة المحتوى تبدأ من تأهيل «المحاور»، للارتقاء بالعملية الحوارية فتكون جسراً حقيقياً لنقل المعرفة .
أكاديمي بجامعة الملك سعود
[email protected]



