لا يخفى على الجميع بأن الوصول إلى المعلومة أصبح اليوم أسرع من أي وقتٍ فات، لكن سرعة الوصول لا تعني عمق الفهم، فالمعلومة المختصرة، أو المقطع القصير، أو المنشور السريع؛ قد يمنح الإنسان فكرة أولية عن موضوع ما، لكنها أحيانًا تمنحه شعورًا أخطر؛ وهو شعور الاكتفاء! وكأنه أدرك ما يكفي ليصبح قادرًا على النقاش، والتحليل، وإصدار الأحكام، بينما هو لم يقترب إلا من قشرة الموضوع فقط! وهنا الخطر الحقيقي.
نصف المعرفة يصنع أشخاصًا يملكون إجابات أكثر من الأسئلة، وثقة أكثر من الفهم، وصوتًا أعلى من المتخصصين أحيانًا؛ لذلك أصبحنا نرى من يتحدث في غير ما مارسه أو درسه، فقط لأنه شاهد عدة مقاطع، أو قرأ بعض الاقتباسات المتداولة، أو تابع شخصًا يتحدث بثقة؛ فظن أن الثقة وحدها تعني المعرفة!
والمضحك أن المجتمعات الحديثة أصبحت تكافئ هذا النموذج أحيانًا؛ لذلك أصبحنا نعيش وسط ضجيج كبير من الآراء، وقليل من الفهم الحقيقي؛ فالمعرفة الحقيقية لا تجعل الإنسان أكثر اندفاعًا في الحديث، بل أكثر حذرًا؛ فكلما تعمق الإنسان في مجال ما، أدرك حجم التفاصيل التي يجهلها؛ لذلك غالبًا ما يكون المختص الحقيقي أكثر هدوءًا، وأقل ميلًا للأحكام السريعة، لأنه يعلم أن خلف كل فكرة تفاصيل لا تُختصر، وخلف كل قضية زوايا مخفية.
أما صاحب نصف المعرفة؛ فيقف غالبًا في المنطقة الأخطر، لأنه لا يملك علمًا كافيًا يجعله متواضعًا، ولا جهلًا كاملًا يجعله يتوقف! ولهذا قد يكون الجهل مشكلة يمكن علاجها بالتعلم، لكن نصف المعرفة مشكلة أصعب، لأنها تقنع صاحبها بأنه لم يعد بحاجة إلى أن يتعلم أكثر؛ وما يزيد الطين بلة، أن بعض الناس لا يكتفون بإظهار آرائهم، بل يمارسون تأثيرهم على الآخرين بثقة كاملة، فيقودون النقاشات، ويشككون في المتخصصين، ويهاجمون كل رأي لا يشبه ما اقتنعوا به سريعًا! وأي تصحيح لهم يُعد تهديدًا لا فرصةً للتعلم! لذلك لا تُقاس قيمة الإنسان بعدد المعلومات التي يحفظها، بل بقدرته على التوقف، والسؤال.
ختاما.. الوعي الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن المعرفة رحلة لا نهاية لها.
[email protected]



