نظن أن القمة تُنال بسرعة، بقفزة واحدة أو بقرار مفاجئ، لكن ما لا ننتبه له هو أن داخل كل رغبة كبيرة حاجة صغيرة لم تُشبع بعد. ومن هنا تبدأ الفكرة التي حاول ماسلو أن يشرحها، ليس كهرم نحفظه، بل كترتيب هادئ داخل الإنسان.
الجسد لا يتحدث كثيرًا، لكنه حين يفعل يفرض منطقه. حين تجوع يصبح كل شيء ثانويًا، وحين تتعب تتحول أحلامك إلى عبء، وفي تلك اللحظة لا يعود السؤال: ماذا أريد أن أكون؟ بل يصبح: كيف أستمر؟ وهنا تتضح حقيقة أن البقاء يسبق كل شيء. ثم يتدرج الإنسان بين الأمان والشعور بالاستقرار، إذ إن الأمان ليس شيئًا نراه بل شعور خفي إذا اختلّ اهتزّ كل ما فوقه. وقد نبدو ثابتين من الخارج، لكننا داخليًا نكون أحيانًا في حالة قلق أو هروب مستمر، مما يجعل التركيز والحلم أكثر صعوبة.
ثم يأتي نوع آخر من الفراغ، ليس جوعًا ولا خوفًا، بل غياب الذات؛ أن لا تُرى ولا تُفهم ولا يكون لوجودك صدى. في هذه الحالة لا ينهار الإنسان فجأة، بل يتلاشى بهدوء ويبدأ بالبحث عن نفسه في الآخرين. ومع أول لحظة تقدير، يبدأ شيء جديد في التكوّن، إذ لا يكفي أن نكون موجودين، بل نريد أن نكون مهمّين، وأن يكون لأفعالنا أثر ولوجودنا معنى. ومن هنا يبدأ الإنسان في إعادة تشكيل نفسه كما يتمنى أن يكون، قبل أن يصل إلى سؤال أعمق: إذا تحقق كل شيء، فماذا بعد؟ هنا يتغيّر الاتجاه من الخارج إلى الداخل، فليس تحقيق الذات وصولًا، بل وضوحًا داخليًا واستمرارًا بوعي.
الخاتمة:
ما قدّمه ماسلو ليس مجرد تصنيف للاحتياجات، بل تذكير بأن الإنسان ليس رغبة واحدة، بل مجموعة احتياجات تتداخل وتؤثر في بعضها البعض. ولهذا، حين نعجز، قد لا يكون السبب ضعفًا فينا، بل عدم اتزان في ترتيب ما نعتقد أنه بسيط وواضح.
ومضة:
لا تسأل نفسك كيف نصل؟
اسأل نفسك سؤالًا أبسط، وأصدق:
هل نقف فعلًا على أرض ثابتة؟
[email protected]



