فكرة «مخّ للإيجار» قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، وقد تبدو شديدةً بعض الشيء، لكنها تعكس واقعًا نعيشه اليوم، حيث تُستأجر العقول المبدعة والخبرات المتميزة لا لحل المشكلات، وتقديم الاستشارات، وصناعة الفارق في مختلف المجالات، وإنما من أجل استنزافها في تمرير الأفكار الغريبة. مخّ للإيجار ليتبع الترند، ومخّ آخر للإيجار لينفذ المشاريع، ثم يُعاد إلى الرف من جديد، وكأنه أداة مؤقتة الاستعمال، بل محدودة الصلاحية.
هنا يبدأ العقل بالتحوّل من جوهرٍ إنساني إلى وظيفة، ومن نعمة إلى نقمة. وخلف هذا المشهد يطرأ على بالي هذا التساؤل القاسي: هل ما زال العقل في زمننا الحاضر حرًّا؟ أم أنه بدأ يفقد استقلاله تحت ضغط الطلب؟
فمعنى أن يفكر هذا العقل ليرضي لا ليعبّر بصدق، وحين يبدع هذا العقل من أجل أن يبيع لا من أجل أن يبدع، فإن تلك الفكرة تجعله عقلًا مؤجّرًا لرغبات الآخرين، واتباعًا لما يتطلبه السوق. ولا يكمن الخطر الحقيقي في تأجير العقل وحسب، وإنما في فقدان السيطرة على تلك العقول. فأن تكون عاريًا من الموهبة ليس بالشيء السيئ جدًا، بل إنه خيرٌ من أن تؤجر عقلك للآخرين.
والأشد خطرًا من ذلك أن يعتاد الإنسان هذا الدور حتى يظن أن قيمته لا تتحقق إلا إذا كان مطلوبًا للاستهلاك لا للإنتاج. عندها يفقد صوته الحقيقي، ويعيش في ظل أفكار لا تشبهه، ومسارات لا تعبّر عنه. فالعقل الذي يُستأجر طويلًا، قد ينسى يومًا كيف يفكر لنفسه، وكيف يصنع أثره الخاص بعيدًا عن رغبات الآخرين.
[email protected]



