الترجل عن المنصب ليس انسحابًا كما قد يظن البعض، بل قد يكون ذروة النضج الإداري، فالشخص المؤثر الحقيقي لا يُعرّف بموقعه، بل بأثره، وعندما يدرك أن بقاءه لم يعد يشكل إضافة نوعية، أو أن المرحلة القادمة تحتاج أدوات جديدة أو شخصيات مختلفة، فإن قراره بالمغادرة يصبح امتدادًا لمسؤوليته، لا تخليًا عنها؛ ومن هنا تتحول الاستقالة من فعل إداري إلى موقف أخلاقي، ومن قرار شخصي إلى رسالة عامة في ثقافة التوجيه المؤسسي.
كثيرون يتمسكون بمناصبهم بدافع الخوف من فقدان المكانة، أو من تراجع النفوذ، أو حتى من الفراغ الذي قد يلي الرحيل، غير أن الشجاع وحده من يواجه هذه المخاوف، ويعيد تعريف ذاته خارج إطار المنصب. فالمناصب، مهما عظمت، تظل مراحل عابرة، بينما القيمة الحقيقية تكمن فيما يتركه الإنسان من بصمة، وفي قدرته على الانتقال بسلاسة من دور إلى آخر دون أن يفقد اتزانه أو رسالته.
ومن زاوية أخرى، فإن شجاعة الترجل تعكس احترامًا عميقًا للمؤسسة، فحين يختار متخذ القرار المغادرة في الوقت المناسب، فهو يفتح الباب لتجديد الدماء، ويمنح الفرصة لأجيال جديدة تحمل أفكارًا مختلفة، وقدرات تتناسب مع تحديات المرحلة القادمة. ولا شك أن المؤسسات المتجددة والجديرة بالبقاء والاستمرار هي تلك التي تتجدد فيها الدماء والعقول، أما تلك التي تُحتجز فيها المناصب، فتخاطر بالجمود والتراجع والتآكل من الداخل. ولذلك فإن الترجل الواعي ليس خسارة للمؤسسة، بل استثمار في مستقبلها.
ولعل الأهم في هذا السياق هو الرسالة الثقافية التي يبعثها هذا السلوك، فعندما يرى المجتمع نماذج إدارية تترجل بإرادتها، وبكرامة وبدون صراع، فإن ذلك يعيد تشكيل الوعي العام حول معنى النجاح. فالنجاح لا يعني التمسك بالمنصب إلى آخر لحظة، بل القدرة على مغادرته في الوقت الذي يكون فيه الأثر قد اكتمل، أو حين تستدعي المصلحة العامة ذلك. هذه الرسالة تزرع قيمًا مثل التواضع، والمسؤولية، وتغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية.
غير أن الترجل لا يكون شجاعًا إلا إذا كان واعيًا، فليس كل مغادرة بطولة، كما أن ليس كل بقاء تقصيرًا، فالشجاعة الحقيقية تكمن في التوقيت: أن تغادر قبل أن تُغادر الإنجازات، وأن تترك المكان وأنت في قمة عطائك، لا في لحظة تراجعك. هذا الوعي يحتاج إلى قدر كبير من الصدق مع النفس، وإلى بيئة مؤسسية تشجع على تداول المسؤوليات، وتُقدّر من يغادر كما تُقدّر من يتولى.
ومع التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة في ظل رؤية 2030، تتعاظم الحاجة إلى هذا النوع من الشجاعة. فمرحلة التغيير تتطلب مرونة إدارية، وقدرة على التكيف، واستعدادًا مستمرًا لإعادة تشكيل الأدوار. فالترجل ليس نهاية المسار، بل قد يكون بداية لدور أكثر تأثيرًا في موقع آخر، أو في مجال جديد يفتح آفاقًا أوسع للعطاء. إن أجمل ما في شجاعة الترجل أنها تُعيد الإنسان إلى جوهره: إلى قيمه، وخبراته، ورسالته التي لا يحدها منصب.
وفي النهاية يظل الترجل عن المنصب اختبارًا حقيقيًا للمسؤولية. فليس كل من صعد قادرًا على النزول بالرشاقة نفسها، والذين ينجحون في هذا الاختبار، هم أولئك الذين يدركون أن أعظم الإنجازات لا تكمن في الوصول، بل في معرفة متى وكيف نغادر.
[email protected]



