وإذا قلتُ الحراج، فلا أقصد ما يجري في سوق التمور، حين يجلب البائع ثمر النخيل ويعرضه جملةً على مشترٍ ليبيعه الأخير بالقطاعي للمستهلك، وإنما أقصد ممارسة شراء ثمار النخيل في المزرعة قبيل موسم النضج بقليل، وهي ما يُعرف بتضمين النخيل أو الخرص.
كان هناك عُرف اقتصادي شهير في نجد يُسمى «الخرص»، حيث يأتي خبير يُعرف بـ«الخارص» ليقدّر كمية التمور على النخيل قبل نضجها، وبناءً على تقديره تتم المبايعة أو الحراج على ثمارها وهي لا تزال على رؤوس النخل.
وكان يوم الحراج مناسبةً اجتماعيةً واقتصاديةً، يُعلن عن موعدها في الأسواق قبل حلولها، منعًا لتداخل المواعيد في اليوم نفسه. فيقال: الحراج يوم السبت في حائط فلان. وكانت كلمة «حائط» تُطلق على المزرعة، وجمعها «حيطان».
فيجتمع المهتمون في الصباح الباكر، ويبدأ الدلّال بالمناداة، واقفًا تحت النخلة المراد بيع ثمرها، ومعلنًا اسم صنف التمر، مثل السكري أو أم الحمام أو البرحي أو الروثانة. ثم يبدأ المشتري بتقديم سومه، ويزيد الآخرون متى شاؤوا، حتى يستقر البيع على أعلى سعر. عندها يُعلن اسم المشتري ويُدوّن في سجل، ثم ينتقل الدلّال إلى النخلة المجاورة، وهكذا حتى آخر نخلة.
بعد ذلك، تصبح النخلة في الحفظ والصون، وتظل بعهدة الفلاح، ولا يتردد عليها إلا المشتري أو «الخرّاف»، وهو من يتولى جني الثمار نيابةً عنه.
واستمرارًا لهذه المناسبة، كان الحضور يتناولون وليمة غداء دسمة تليق بالزوار والمشترين، تتكون من الأرز والخبز والأُدُم والتمر الجديد.
ومن هذه المظاهر نستنتج أن المهرجانات التي تحظى باهتمام واسع في وقتنا الحاضر ليست إلا امتدادًا للاهتمام بهذه الشجرة المحبوبة، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في مواضع متعددة.
[email protected]



