في أوقات الأحداث والتحولات، لا يُمتحَن الوعي بما نعرفه فقط، بل بما نختار تصديقه ونقله. فالوطنية ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، بل سلوك مسؤول يظهر في التثبت قبل النشر، والتمييز بين الحقيقة والادعاء، وإدراك أثر الكلمة في طمأنينة المجتمع واستقراره.
تجد الشائعات طريقها حين تتقدم الرغبة في السبق على مسؤولية التثبت؛ فقد يُعاد تداول مقطع قديم بوصفه حدثًا جديدًا، أو تُنتزع عبارة من سياقها، أو يُمنح ادعاء اهتمامًا لمجرد تكراره. ومع تطور التقنيات، تزداد أهمية الوعي والتحقق قبل تداول المعلومات.
فليس كل ما يصل إلينا يستحق النشر، ولا كل ما يثير قلقنا يستحق أن يتحول إلى قلق عام. وقد يكون الامتناع عن إعادة تداول معلومة مجهولة المصدر أبلغ أثرًا من الدخول في جدال حولها. فالمواطن الواعي لا يمنح الشائعة عمرًا إضافيًا بحجة التحذير منها، ويُدرك أن الاعتراف بعدم المعرفة أكثر مسؤولية من الجزم بما لا يستند إلى دليل.
الدفاع عن الوطن في الفضاء الرقمي لا يعني الدخول في كل جدال، بل امتلاك البصيرة التي تميّز بين الخبر والادعاء، وبين النقد المسؤول والتضليل. فحب الوطن يزداد نضجًا حين يستند إلى المعرفة والانضباط.
كما أن الوعي الوطني لا يعني اعتبار كل نقد تضليلًا؛ فالنقد المسؤول قد يكشف مواضع الخلل ويسهم في معالجتها، أما التضليل فيشوّه الحقيقة ويربك الناس. والفارق بينهما تحدده صحة المعلومة وسلامة طرحها، لا حدة الصوت أو قوة العبارة.
وتُقاس المواطنة بحكمة التصرف، واحترام الأنظمة، وصون الثقة العامة. فالكلمة مسؤولية، وإعادة النشر قرار، والوعي الحقيقي أن يدرك الإنسان أثر ما يصدر عنه قبل نشره.
إن المملكة العربية السعودية، بما تنعم به من أمن واستقرار، وما تمضي فيه من بناء وتنمية، تستحق من أبنائها وعيًا يوازي طموحها، ومواطنة تصون مكتسباتها. فحماية الوطن مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود القيادة والمجتمع.
وكما تتطلب حماية الحدود يقظة دائمة، تتطلب حماية المجتمع وعيًا لا ينساق وراء كل ما يُتداول؛ فلكل مجال مسؤولياته في صون أمن الوطن واستقراره.
ويستحق جنود الوطن البواسل التقدير لما يقدمونه من تضحية ويقظة لحماية الحدود والحفاظ على الأمن. والوفاء لتضحياتهم لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالمحافظة على ما يحمونه من أمن وطمأنينة، والإسهام في استقرار المجتمع بالوعي والمسؤولية.
شمعة مضيئة:
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها، وحفظ قيادتنا الرشيدة، ووفّقها لما فيه خير البلاد والعباد، وسدّد خطى جنودنا البواسل، وردّهم إلى أهلهم سالمين، وحفظ وطننا وشعبنا من كل سوء.
فالوطن لا تحرسه البنادق وحدها، ولا تصونه الشعارات وحدها؛ بل تحميه قيادة حكيمة، وجنود أوفياء، وشعب واعٍ يدرك أن الانتماء عهد ومسؤولية، وأن أصدق صور الوفاء أن نكون عونًا على أمن الوطن وطمأنينته.
من محطة «حين يُمتحَن الوعي بالوطنية» أحدثكم.. قلمي.
@Sa_Alaseri



