لا تنتقل المفردات من فراغ، بل عبر قنوات متعددة، منها:
التجارة: كان التجار العرب يجوبون آسيا وأفريقيا، حاملين معهم سلعهم.. وكلماتهم!
العلم والترجمة: خلال العصر العباسي، تُرجمت علوم كثيرة إلى العربية، ثم انتقلت لاحقًا إلى أوروبا، فانتقلت معها المصطلحات.
الاحتكاك الحضاري: مثل وجود العرب في الأندلس، وهو ما ترك أثرًا لغويًا عميقًا في اللغة الإسبانية.
الدين والثقافة: كان لانتشار الإسلام دور واضح في انتقال كثير من المفردات.
مفردات عربية مهاجرة:
هاجرت آلاف الكلمات العربية، وما زال بعضها يُستخدم في الحديث اليومي لدى شعوب أخرى، مثل: «الجبر» -Algebra-، و»السكر» -Sugar-.
هناك كلمات عابرة للغات والقارات؛ كلمة تولد من فم، ثم تتحول إلى لفظ مألوف على الأسماع في شتى الأصقاع. وأغلب هذه الكلمات أسماء؛ فللاسم قوة تفوق قوة الأفعال والحروف. فحرف الجر «في»، مثلًا، لا يحب الغربة ولا التشرّد في لغات الآخرين؛ يعيش حيث تعيش اللغة العربية، لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه، فحروف الجر من أكثر الكلمات إخلاصًا للغاتها الأم.
بخلاف الأسماء، سواء كانت أسماء علم أم أسماء جنس؛ فالأسماء تحمل روح الرحّالة، تجوب الأمصار وتستقر حيث تجد من يتبناها. والطريف في بعض الكلمات أن أهلها قد يتخلّون عنها، لكنها تستمر حيّة في لغات أخرى؛ بل قد تتبناها تلك اللغات وتمنحها أسباب البقاء.
فكلمة «فول»، على سبيل المثال، لم تكن مألوفة قديمًا بهذا اللفظ، إذ كان اسمها «الباقلاء». وقد نُسب إلى هذا الاسم أحد كبار علماء الدين، صاحب كتاب «إعجاز القرآن»، المعروف بـ»الباقلاني»، أي بائع الباقلاء «الفول بلغة اليوم». ومع مرور الزمن، تقلّص استعمال كلمة «باقلاء» في العربية، حتى كادت تتوارى عن السمع.
غير أن الكلمة لم تختفِ، بل هاجرت إلى لغات أخرى؛ فاستقرّت في الفارسية بصيغة «باقلا»، وفي التركية بصيغة -bakla-. وإذا تتبّعنا مسارها، نجد أن حياتها خارج العربية كانت أطول وأغنى من حياتها داخلها؛ فلا نكاد نجزم: في أي لغة تعيش الكلمة؟ وفي أي لغة تموت؟
إن الغربة، كما تمنح الناس فرصًا لا تتوفر في مسقط الرأس، تمنح الكلمات أيضًا حياة أخرى. وما يُقال عن الإنسان، يمكن أن يُقال عن الكلمة.
[email protected]



