تبدأ الحكاية قبل العيد بأيام، حين تتغير ملامح البيت، وتدخل البهجة في تفاصيله؛ من تجهيز الملابس الجديدة إلى أصوات الأمهات وهنّ ينسّقن احتياجات العيد. في تلك اللحظات، يتشكل شعور الترقب لدى الطفل، ويكبر داخله إحساس خاص بأن شيئًا مميزًا على وشك الحدوث. هذه المشاعر المبكرة تُعدّ أول خيوط الذاكرة التي سترافقه طويلًا.
وفي صباح العيد، يتجلى المشهد بأبهى صوره: ملابس أنيقة، عطور خفيفة، وابتسامات تملأ الوجوه. هنا، لا يرى الطفل الطقوس كما يراها الكبار، بل يعيشها كحكاية متكاملة: من الاستيقاظ المبكر إلى الخروج مع العائلة، وصولًا إلى اللقاءات العائلية المليئة بالضحكات. حتى التفاصيل البسيطة، كالتقاط الصور أو تبادل التهاني، تتحول في عينيه إلى لحظات استثنائية.
وتبقى «العيدية» أحد أبرز معالم هذه التجربة؛ فهي ليست مجرد مبلغ مالي، بل رمز للفرح والاستقلالية الصغيرة. يتعلم الطفل من خلالها قيمة الادخار أو متعة الاختيار، ويشعر أنه جزء من هذا الحدث الكبير، لا مجرد متفرج عليه. كذلك، فإن إشراك الأطفال في الاستعدادات -كتزيين المنزل أو ترتيب الضيافة - يعزز لديهم شعور الانتماء والمسؤولية، ويجعلهم شركاء في صناعة الفرح.
ويبقى الأهم من كل ذلك الجو الأسري العام؛ فالعيد في جوهره ليس ما نشتريه، بل ما نصنعه من مشاعر وذكريات. حين يسود الحب، وتعلو الضحكات، ويجد الطفل نفسه محاطًا بالاهتمام والاحتواء، تتكوّن داخله ذاكرة غنية يصعب أن تمحوها السنين. وعلى العكس، قد تمر مظاهر العيد كلها دون أثر يُذكر إذا غاب الدفء الأسري.
إن صناعة ذاكرة العيد لدى الأطفال لا تحتاج إلى تكلف أو مبالغة، بل إلى وعي بسيط بأهمية التفاصيل. فربما تكون لحظة عناق، أو كلمة حانية، أو مشاركة صادقة، هي ما سيبقى في وجدان الطفل لسنوات طويلة. وهكذا، يتحول العيد من مناسبة مؤقتة إلى رصيد عاطفي دائم، تحمله القلوب أينما ذهبت عبر ذاكرة تصنع الإنسان.
[email protected]



