منذ الانتشار الواسع لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية من جميع الأعمار، شهدنا انتشار الشائعات بشكل سريع جدًا وفي مواضيع مختلفة، وهذه الشائعات كفيلة بإحداث هلع جماعي واتخاذ قرارات خاطئة ودفع المجتمع نحو الفوضى. والإشاعة هنا ليست مجرد «خبر كاذب»، بل هي أسلحة للاختراق الفكري والعاطفي تقودها حسابات مغرضة ومعادية توجه بدقة لتحقيق أهداف معينة؛ فعندما تحل أزمة، سواء كانت طبيعية أو سياسية أو حتى صحية، نجد المشهد يصبح فوضويًا في منصات التواصل الاجتماعي.
لا يمكن النظر إلى الشائعات على أنها مجرد أخطاء فردية أو اجتهادات خاطئة، وخلال الفترة الماضية أُثبت لنا أن خلف الكثير من هذه الشائعات «قراصنة للعقول» من أيادٍ خفية وحسابات مأجورة ومعادية تعمل وفق أجندات واضحة، وتستخدم هذه الحسابات تقنيات نفسية مُتقنة لبث اليأس والإحباط بين أفراد المجتمع، أو تضخيم الأخطاء وتشويه الصورة، ووصلت إلى إثارة النعرات الطائفية والمناطقية، وهدفها الأسمى هو ضرب التماسك المجتمعي وإشغال الرأي العام من خلال حرب نفسية تعتمد على استغلال مشاعر الناس.
الأطفال وصغار السن هم الأكثر عرضة لخطر هذه السموم الرقمية، فهم يقضون ساعات طويلة على هذه المنصات، وعقولهم النقدية لم تنضج بعد بما يكفي لتمييز الحقيقة من الكذب والغرض النبيل من النوايا الخبيثة. ولذلك، من المهم غرس مبادئ المواطنة الرقمية لديهم منذ الصغر، وتعليمهم كيفية التحقق من المعلومات عبر المصادر الرسمية، وعدم تصديق كل ما يُنشر في تلك المنصات. وكوجهة نظر شخصية، لا يمكن ترك هذه المهمة الثقيلة على عاتق الأسرة وحدها، بل يجب أن تتحمل المؤسسات التعليمية دورًا محوريًا في تأسيس جيل واعٍ رقميًا، حتى لو كان ذلك من خلال إدخال مادة «الوعي الرقمي» ضمن المناهج الدراسية.
تأثير تلك المنصات يمتد ليشمل سوق العمل أيضًا، ولذلك من المهم أن يتم مراجعة حسابات الأفراد الوافدين والمرشحين للوظائف قبل تعيينهم، حتى تتضح القيم التي ينشروها من خلال حساباتهم في منصات التواصل الاجتماعي. وتدقيق حسابات التواصل الاجتماعي للمتقدمين للعمل لا يعتبر «انتهاكًا للخصوصية» كما قد يظن البعض، بل هو إجراء احترازي مهم؛ فتوظيف شخص يحمل أفكارًا متطرفة، أو يظهر عداءً صريحًا للمجتمع الذي سيعمل فيه، أو يشارك في حملات ممنهجة لنشر الشائعات، يشكل خطرًا كبيرًا على بيئة العمل والمجتمع. ومن خلال هذه الممارسة سنساهم جميعًا في بناء جدار دفاعي داخلي يحمي من الاختراق الفكري، ونضمن أن من يعمل بيننا يؤمن حقًا بمشروع التطور الذي نعيشه في المملكة.
ختامًا، في زمن الأزمات، يصبح الوعي في الاستخدام الأمثل لمنصات التواصل الاجتماعي درعنا الأول ضد الشائعات والحسابات المغرضة، وهذا الوعي مسؤوليته مشتركة لنحمي عقولنا ومجتمعنا من الاختراق ونحول هذه المنصات إلى فضاء آمن ومساحات للنقاش البناء.
مستشار موارد بشرية
[email protected]



