في الذكرى الثانية عشرة لبيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، لا تبدو البيعة مجرد تاريخ يتكرر، بل مناسبة نستذكر فيها مسيرة وطن، وما تحقق خلالها من إنجازات، وما حملته من تطلعات نحو المستقبل. فالأوطان العظيمة لا تقوم على الحضور العابر، وإنما على قيم راسخة، وثقة تنمو مع الأيام، ومسيرة تواصل البناء بثبات.
اثنا عشر عامًا ليست رقمًا قليلًا في عمر وطن؛ إنها مساحة زمنية كافية لأن تُقرأ فيها التحولات، ويُقاس فيها الطموح بالأثر، ويُنظر فيها إلى المستقبل لا بوصفه أمنية، وإنما بوصفه مسؤولية.
وخلال هذه المسيرة، مضت المملكة في بناء حضور أكثر اتساعًا، وهي تحمل معها معادلة دقيقة: أن تتقدم دون أن تنقطع عن جذورها، وأن تنفتح على العالم دون أن تفقد ملامحها، وأن تستثمر في المستقبل دون أن تنسى أن الإنسان هو الغاية الأولى من كل تنمية.
وهنا يصبح معنى القيادة أعمق من إدارة اللحظة؛ فالقيادة الحقيقية لا تُقاس فقط بما يتحقق في الحاضر، وإنما بقدرتها على أن تترك للأجيال القادمة أرضًا أكثر ثباتًا، وآفاقًا أكثر اتساعًا، وثقة أكبر بأن المستقبل يمكن أن يكون امتدادًا لما بدأه السابقون.
ولعل من أجمل ما في الذكرى الوطنية أنها تضعنا أمام استشعار مسؤولية مشتركة. فالوطن لا يُبنى من جهة واحدة، ولا تُحفظ مكانته بالكلمات وحدها؛ القيادة تصنع الاتجاه، والمؤسسات تحمل المسؤولية، والمواطن يصنع جزءًا من الصورة بما يقدمه من عمل وإخلاص ووعي.
ولهذا فإن الوفاء للوطن ليس أن نرفع صوته في المناسبات فقط، بل أن نخفض صوت المصلحة حين تتعارض مع المصلحة العامة، وأن نحترم العمل، ونحفظ المنجز، ونؤدي مسؤولياتنا بإتقان، ونترك في المكان الذي نمر به أثرًا يليق بوطن ننتمي إليه.
إن المملكة اليوم تقف على عتبة مستقبل واسع؛ مستقبل لا يُقاس بما نطمح إليه فقط، بل بما نملك من قدرة على تحويل الطموح إلى عمل، والعمل إلى أثر، والأثر إلى إرث تستفيد منه أجيال لم تولد بعد.
ومن هنا تأتي ذكرى البيعة في معناها الأعمق: مناسبة نستذكر فيها ما تحقق، وننظر إلى المستقبل بمسؤولية، ونؤمن بأن الوطن الذي منحنا الأمان والانتماء يستحق منا أن نمنحه الإتقان والمسؤولية والوفاء.
وفي الذكرى الثانية عشرة، لا نقف عند عدد الأعوام، بل عند ما تعلمناه منها: أن الاستقرار نعمة، وأن المسؤولية قيمة، وأن الطموح حين يجد الإرادة يتحول إلى واقع، وأن الوطن ليس جغرافيا نعيش فوقها، بل معنى يسكن فينا ونحمله أينما ذهبنا.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وأدام على المملكة العربية السعودية أمنها وعزها ورخاءها، ووفق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لكل ما فيه خير الوطن والمواطن.
[email protected]



