مؤخرًا حضرت جلسة حوارية إعلامية، وأكثر ما لفتني عنوانها حين وصفوا واقع الإعلام الرقمي اليوم بـ «زمن التشتيت»، ومنها تنطلق سلسلة تساؤلات لا نهاية لها: كيف ندير ذاتنا في هذا العالم المليء بالمعلومات؟ كيف نحمي أنفسنا من الإفراط في الانتباه؟ كيف نتكيف مع تطورات لا تهدأ؟ كيف نشارك بفعالية ضمن الحراك دون أن نفقد هويتنا ووعيّنا الذاتي؟
قرأت منذ أيام مقالًا يتحدث عن ديناميكية العقل البشري في وسائل التواصل، وأكثر ما أثار انتباهي الصورة البليغة في وصف عقولنا اليوم في ظل صراعنا الرقمي، فكانت الفقرة تقول:
«تتلامس الأقطاب المتشنّجة، فيتناثر الشرر، ثمّ تتباعد للحظات، قبل أن تعود للتصادم من جديد، في حلقة مفرغة لا نهائية، مفعمة بالدوبامين، والأدرينالين، والكورتيزول. ليست هذه غرفة عمليّات في مستشفى، أو مركز تحكّم في مصنع، أو محطة لتوليد الطاقة، وإنّما هي لمحة من العقل البشري لإنسان ما، بعد الطفرة التقنية، وهيمنة منصات التواصل الاجتماعي شبه الكاملة على كل مفاصل حياته اليومية وتفاصيلها.
إلى أي مدى أصبحنا رهائن للإشعارات، للمنصات، ولحظات الانتباه المتناثرة؟ إلى أي مدى فقدنا القدرة على التوقف، على التأمل، على استعادة لحظات الصفاء الذهني؟ هذه الوقفة، رغم شدتها، تمنحنا فرصة لإعادة النظر في علاقتنا بالزمن الرقمي، وإعادة صياغة طرقنا في إدارة الانتباه والحياة اليومية.
حقيقةً، كنت أظن حين أنجز أعمالي وأعود للهاتف أن ذلك جزء من مكافأة الذات على ما أنجزته. إلى أن قرأت مقولة لـ سيليست هيدلي، مؤلفة كتاب لا تفعل شيئًا -Do Nothing-«عندما يسقط المرء على الأريكة متعبًا بعد يوم عمل طويل ويبدأ في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، فلا ينبغي أن يظن حينها أنه يسدي معروفًا لدماغه المتعب.»
ما أرادت الكاتبة توضيحه أن تصفح الإنترنت ومنصاته الاجتماعية لا يمنح الدماغ الراحة الحقيقية، بل هو بمثابة نشاط ذهني موازٍ للعمل الشاق، لا يقلل التعب لكنه يوهمنا بعكس ذلك.
ختامًا: في خضم هذا الزمن الرقمي المتسارع، ومع كل إشعار جديد، وكل تطبيق يطالب بانتباهنا، يصبح التوقف للتأمل والوعي الذاتي ليس رفاهية، بل ضرورة، ربما لا يمكننا الهروب من منصات التواصل أو من انسياب المعلومات المتدفق واللامتناهي، لكن يمكننا استعادة زمام انتباهنا، واختيار لحظاتنا بعناية، والموازنة بين حضورنا الواقعي ووجودنا الرقمي.
[email protected]



