إنّ الكلمات التي نرددها يوميًا، خصوصًا تلك العبارات القصيرة المتداولة في سياقات الشكر، والاعتذار، والدعاء، والتحية، غالبًا ما تتحول إلى أنماط لغوية تلقائية. نتعلمها في مراحل مبكرة من حياتنا، ونعتاد استخدامها استجابةً للمواقف المختلفة، حتى تغدو جزءًا من سلوكنا الاجتماعي اليومي. ومع كثرة التكرار، يتضاءل حضور معناها في وعينا، فننطقها دون استحضار عمقها أو إدراك أبعادها الحقيقية.
ومع هذا الغياب التدريجي للانتباه، تفقد الكلمات حرارتها الأولى، لا لأنها فقدت معناها، بل لأننا نحن ابتعدنا عن الشعور به. تتحول إلى استجابات سريعة، بينما هي في أصلها لحظات إنسانية مكثفة تختصر مشاعر كاملة في عبارة قصيرة.
فحين نلتفت إلى أحدهم بعد جهدٍ واضح ونقول له: «يعطيك العافية»، فإننا نمنحه دعاءً بأثمن ما يمكن أن يُطلب للإنسان؛ فأن يبقى معافى يعني أن يستمر قادرًا على الحركة، وعلى الإنجاز، وعلى الشعور، وعلى مواجهة الحياة بكل ما فيها من تحديات. وفي هذا القول اعتراف صامت بقيمته، وتقدير خفي لجهده، وإقرار بأن تعبه لم يمرّ دون أن يُرى أو يُحسّ. كأننا نضع في طريقه أمنية بالحفظ والاستمرار، تحمل في داخلها محبة واهتمامًا يتجاوز حدود الكلمات.
وحتى في أحاديثنا عن الغد، حين نعلّق آمالنا على المشيئة بقولنا: «إن شاء الله»، فإننا نمارس شكلًا رفيعًا من التسليم؛ نعترف بأن خططنا مهما بدت محكمة تبقى محتاجة إلى توفيق يتجاوز قدرتنا. فهذه العبارة تجمع بين الأمل والعمل، وبين السعي والثقة بأن النتائج ليست بيدنا وحدنا، بل محكومة بحكمة أعلى تُدبّر التفاصيل التي قد لا نراها ولا ندركها في حينها.
ختامًا، هذه دعوة حقيقية لنا لأن ننتبه إلى ما نقول وكيف نقول، وأن نحمل في ألفاظنا حضورًا صادقًا ومسؤولية تجاه الآخر. فحين ندرك عمق العبارات البسيطة، ونستحضر نياتنا عند النطق بها، فإننا نحوّل التواصل اليومي إلى مساحة ممتلئة بالقيمة والاحترام والتقدير. لذلك، لعلّ النصيحة الأهم أن نتوقف لحظة قبل كل كلمة، وأن نمنحها معناها الحقيقي قبل أن تمرّ سريعًا على ألسنتنا.
أما الآن، فمع السلامة.
والتي أقصد بها دعاءً صريحًا بأن يرافقكم السلام، وأن يحفظكم الله، ويحيط طريقكم بالطمأنينة والأمان.
[email protected]



