كنت أدرك أن هذه المشاريع تحتاج الى ميزانيات قد لا تتوفر في حينه، الأمر الذي سبب لشخصي أقسى وأصعب أنواع التحدي التي عشتها في حياتي، أن تتحمل مسؤولية كائنات حية من نباتات وأنعام، وترى العطش يهدد ويقترب فتلك مصيبة، أن يتفاقم الوضع دون أن تستطيع المواجهة، فذلك ما يجعل النوم يجفل من العين، أن تصبح الحياة اليومية بجميع ساعاتها انتظاراً لوقوع الكارثة فذلك هو الهم الذي لا تتمناه، هكذا عشت ظروف هبوط مناسيب المياه الجوفية.
ما زلت أذكر آخر خطاب قبل سفري للحصول على إجازة الدكتوراة، وجهته إلى مدير الجامعة، رئيس مجلس إدارة محطة التدريب والأبحاث الزراعية والبيطرية، طلبت وقف جميع التوسعات المستقبلية في ظل أوضاع الآبار الارتوازية وهبوط مناسيب المياه الجوفية، كان دافعه معايشتي لوضع مفروض وليس خياراً يمكن التعايش معه.
غادرت محطة التدريب والأبحاث الزراعية والبيطرية آخر عام «1989»، لدراسة الدكتوراة، في أحد أعرق الجامعات البريطانية، جامعة «استراث كلايد»، تأسست عام «1796»، اخترت موضوع الرسالة، حددت هدفي بدقة، كانت عن مياه واحة الأحساء، كنت أحمل حماساً منقطع النظير لدراسة وضعها ومستقبلها، كنت أرى نفسي في مهمة عمل وليس دراسة، كنت أرى نفسي أسابق الزمن لإنهاء دراستي والرجوع لتطبيق ثمارها.
من توفيق الله أن وظفت كل ما تعلمته في جميع مراحل تعليمي السابقة بما فيها الماجستير لصالح دراسة الدكتوراة، هذا سهل مهمتي بشكل استثنائي، كانت مرحلة الدكتوراة هي أسهل مراحل تعليمي الدراسية، كنت أدرس ليلاً ونهاراً وكنت سعيداً بهذا، وأيضاً في راحةٍ عظيمة مقارنة بما كنت أعانيه، الإيمان بالمسؤولية والدور الذي تلعبه هو أكبر المحفزات التي تتكسر أمامها موجات التحديات والصعوبات، هكذا عشت مرحلة دراسة الدكتوراة.
سافرت مهموماً بمياه الأحساء، وعدت بعد الدكتوراة مهموماً بمياه المملكة كاملة، كشفت لي الدراسات عمق المشكلة، كنت أتطلع أن أقف على وضع المياه في واحة الاحساء التاريخية والأكبر عالمياً، سعيت أن أقف على كل ما يجري في أمر الماء، وقد وفقني الله لذلك.
قررت الّا أفشل، وإن حصل فهذا يعني أنه رزق من الله، وأن قدراتي غير مؤهله لهذه الإجازة العلمية، لكن أن يكون الفشل بسبب تقاعس أو سوء اجتهاد فذلك لن يكون أبداً، كنت أقوى مما تخيلته عن نفسي، بل أبهرت نفسي بما حققته، فخلال مدة البعثة، كنت أستلم مكافأة مع نهاية كل فصل دراسي على التفوق، مع خطاب شكر من الملحقية، وكان الملحق التعليمي في ذلك الوقت «عبدالله الناصر» خير شاهد.
رجعت من بعثتي فخوراً بنفسي ووطني، وقد حملت هماً على هم، ومسؤوليةً على مسؤولية.. ويستمر الحديث.
[email protected]


