غير أن وراء الأضواء العامرة، والسفر الممتدة، والاستعدادات المتسارعة، هناك من يستقبل رمضان بقلقٍ لا بفرح، وبحساباتٍ ثقيلة لا بطمأنينة. إنهم الفقراء الذين ينتظرون هذا الشهر من العام إلى العام، لأنهم يعلمون أنه شهر الإنفاق، وأن كثيرًا من الأغنياء لا يُخرجون زكاة أموالهم إلا فيه، طمعًا في مضاعفة الأجر وعظيم الثواب. إن أعظم العطاء ما كان خفيًّا، وأصدق الإحسان ما سبق السؤال. ومن رحمة الله وعدله أن جعل للفقراء حقًا معلومًا في أموال الأغنياء، حقًا يحفظ كرامتهم، ويصون إنسانيتهم، ويمنحهم القدرة على مشاركة المجتمع فرحته بالشهر الكريم.
كم من أبٍ يخفي ضيق ذات اليد حياءً، يقف أمام رفوف المتاجر يتأمل الأسعار، لا لأنه يختار الأفضل، بل لأنه يحاول أن يوازن بين الضروري والأشد ضرورة. وكم من أمٍّ تُتقن فنّ التأجيل؛ تؤجل ثوبًا كانت تتمناه لابنتها، أو لعبةً وعدت بها صغيرها، أو حتى دواءً تحتاجه لنفسها. وكم من أسرةٍ كاملة تعيش خلف أبواب مغلقة، تُطفئ الأنوار باكرًا، وتقلل الزيارات، وتعتذر عن الدعوات، ليس زهدًا في الناس، بل خشية أن ينكشف الحال. تكتم حاجتها لأن السؤال ثقيل، ولأن كرامتها أغلى من أن تُعرّضها لنظرات الشفقة. هؤلاء لا يريدون صدقةً تُشعرهم بالمنة، ولا عطاءً يُتداول في المجالس، بل يدًا تمتدّ برفق، وكلمةً تُقال بلطف، ومساعدةً تصلهم قبل أن تمتد أيديهم، فتحفظ ماء وجوههم وتُبقي رؤوسهم مرفوعة.
رمضان ليس محطةً موسمية للعطاء فحسب، بل مدرسةٌ تُعلّمنا أن يكون الخير عادة، وأن يكون الإحسان منهج حياة. فالزكاة فريضة، لكن الصدقة روح، والتكافل مسؤولية اجتماعية وجماعية لا تنتهي بانتهاء الشهر الفضيل. إذا خرج رمضان ولم يترك فينا عادة العطاء، ولم يُنمِّ فينا حسّ المبادرة، ولم يجعلنا أكثر شعورًا بآلام غيرنا، فماذا تعلّمنا منه؟
لا تجعلوا الفقراء يشعرون عند قدوم رمضان بعجزٍ يرهقهم، ولا بهمٍّ يُثقِل صدورهم، بل اجعلوا من عطائكم جسرًا يعبرون به إلى فرحة هذا الشهر الكريم بكرامةٍ وطمأنينة. افتحوا أبوابكم، وافتحوا قبلها قلوبكم، فربما تكون صدقة اليوم سببًا في بركةٍ تحلّ ببيوتكم غدًا.
السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: هل فرحة رمضان.. تصل إلى الجميع؟ هل ننتظر أن يطرق المحتاج بابنا؟ أم نبادر نحن إلى طرق بابه؟ لا تجعلوا الفقراء غرباء في شهرهم هذا، فقبل أن يطرقوا أبوابكم.. اطرقوا أبوابهم.
[email protected]



