ومن المثير للعجب، أنه قد مرت سنة كاملة على رمضان المنصرم، كأنها يوم! بل كلمحة في سجل الذكريات، وكذلك هو حالنا مع رمضانات سابقة. وقد الشاعر الأندلسي ابن الجنان: مضى رمضانٌ أو كأني به مضى.. وغاب سناه بعد ما كان أو مضا.
والواقع أن الحياة بطولها وعرضها هي عبارة عن محطات تمضي سريعا، ولكن هذا الشهر الفضيل هو أسرع محطات العمر، ومن الحصافة ورجاحة العقل استغلال مواسم الخير لأنها أعمار تضاف إلى أعمارنا.
ومن الملاحظ أن روحانية رمضان تساعد النفوس على فعل الخير، والإقبال على الطاعات. وقد جاء في الحديث الشريف، أن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة».
ومن المؤكد أننا سنستمع وسنرى الكثير من النصائح والرسائل والفيديوهات التي تتحدث عن فضيلة هذا الشهر الكريم، وعظم منزلته وشأنه، ولكن أعتقد أن من أصعب المهام على النفوس في رمضان هي معالجة القلوب من المشاحنات والضغائن، والخصومات وغيرها من المستور المكنون، لأنها أعمال خفية ودفينة. ولذلك، جاء في الحديث الشريف: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
بالإضافة، فإن أعمال الجوارح خلال شهر رمضان قد يساعدنا عليه الأجواء المفعمة وجدانيا بالصيام، وصلاة التراويح، والنشاط للصدقات، وفعل الخيرات على وجه العموم، ولكن يظل «خبوت» القلب عليه مناط القبول، ولذلك جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». وقد قال التابعي بكر المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام، ولا صلاة، ولكن بشيء وقَرَ في صدره. وهنا نطرح السؤال الكبير والمهم، هل يستطيع الإنسان أن يسبق الآخرين بعمل قلبه مع قلة عمله؟! ويشرح المعنى المقصود بوضوح ما جاء عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أنه قال: «قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل، ولا حسد».
ولست فيما ذكرت آنفا أقلل من شأن كثرة أعمال الخير والبر المتعددة خلال هذا الشهر الفضيل، فذلك أمر محمود، ولكن علينا ألا ننسى المضمون «القلوب» في ظل بحثنا الحثيث عن الكم والعدد والتنوع.فالقلب قائد للجوارح!
[email protected]



